اهتمام علمي كبير لنشاط الكورد في مصر في رسالة دكتوراه بجامعة الأزهر
وقد منحت لجنة المناقشة التي تألفت من أ.د.السيد الدقن، وأ.د. السعيد حجاج، أستاذا التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر بالقاهرة والمناقشين: أد. صلاح هريدي، أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة دمنهور، وأ. د. عبد الجواد صابر إبراهيم أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر الباحث درجة العالمية الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر بتقدير (مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالطبع على نفقة الجامعة وتبادلها بين الجامعات المصرية والعربية والمراكز العلمية الأخرى نظراً لأهميتها) .
وفي بداية المناقشة التي حضرها ملا ياسين رؤوف رسول مسؤول مكتب الاتحاد الوطني الكوردستاني في القاهرة وعدد من الدبلوماسيين العرب والاكاديميين والاعلاميين المصريين والعراقيين والعوائل الكوردية المصرية من اصول كوردية وعدد من الطلبة الكورد الدارسيين في الجامعات المصرية تحدث الباحث عن ملخص لرسالته وأهم النقاط التي تم التطرق إليها.
وذكر الباحث محمود زايد أنه في غضون المراحل التاريخية المتشابكة للتاريخ الكوردي، بدت ظاهرةُ هجرةِ أعداد كبيرة من الشعب الكوردي إلى عدد من البلدان الإسلامية، من بينها مصر، شجّع على ذلك: قيامُ الدولةِ الأيوبية في مصر على أيدي الكورد بقيادة السلطان صلاح الدين الأيوبي الكوردي. حيث شاركوا في مهام قيادتها وإدارتها، وفي تقويةِ جانبها، والذبّ عن حدودها. وتتابعت الهجرة الكوردية إلى مصر في العهد المملوكي أيضاً، وإنْ قلّت نسبتها واختلفت كيفيتها. وفي العصر الحديث، كان العصر العثماني بمثابةِ مرحلةٍ تمهيدية لهجرة بعض الكورد إلى مصر، التي تحددت معالمُها بشكلٍ منظمٍ وممنهجٍ في عهد محمد علي باشا وأولادِه من بعده، حيث تم الاعتماد عليهم في الجندية والقيادة والإدارة. ومع بدايات القرن العشرين وأفولِ نجمِ الدولة العثمانية، اتخذ الأحرار والقوميون الكورد الفارّون من الملاحقات العثمانية والأتاتوركية مصرَ، ملجأ وملاذاً لنشاطهم السياسي والقومي للقضية الكوردية.
ولم يستقر الكورد الذين جاءوا إلى مصر في مكان محدد أو منطقة بعينها؛ وإنما انتشروا وتوزعوا في قرى ومدن مصر المختلفة، طبقا للمهمة العسكرية والإدارية التي أوكلت إليهم في هذا المكان أو ذاك، أو طبقا لما امتهنوه من مهنٍ أو حِرَفٍ أو تجارة، وطبقا لما حصلوا عليه من أراض للزراعة. ولم ينغلق هؤلاءِ الكورد أو ينزووا على أنفسهم؛ وإنما اختلطوا في المجتمعِ المصري وامتزجوا فيه، حتى أضحى من الصعب تحديدُ ملامحِهم الجنسية، أو سماتِهم الشخصية بعيدا عن الشخصية المصرية، التي احتوتهم وصهرتهم في بوتقتها. وقد ظهر من بين العائلات الكوردية الموجودة في مصر، ومن ذراريها أعلامٌ دارت على أيديهم - مع غيرهم - حركةُ التنوير المصرية في العصر الحديث؛ فكان منهم علماءُ دين، ومصلحون، وسياسيون، واقتصاديون، ونوابٌ في البرلمان، وأصحابُ سلطة تنفيذية، وأدباءٌ، وفنانون، وغيرُهم.
وقد قام الباحث محمود زايد بتحديد دراسة نشاط الكورد في مصر بالنصف الأول من القرن العشرين، لإن هذه الفترة الزمنية كانت من أكثر الفترات سخونة في تاريخ النضال الكوردي (عسكريا وسياسيا وفكريا)؛ من أجل كوردستانَ موحدةٍ ومستقلةٍ، كما أن هذه الفترة كانت من أحلك الفترات التي مر بها الشعب الكوردي؛ جرّاء وسائل الإفناء للبنية التحتية والبشرية، ووسائل النفي، والتشريد، والتهجير القسري من قبل المحتلين الأجانب، ومن قبل الحكومات التي تقاسمت أراضي كوردستان، تنفيذاً للمؤامرات العالمية المتمثلةِ في: سايكس بيكو، وسان ريمو، ولوزان، وما عُرف بعد ذلك بمشكلة الموصل وغيرِها.
ورغم ذلك، لم يخفت صليلُ سيفِ الكورد في موطنهم. ولم تخبُ نداءاتُ أحرارِهم، ولم تتوقفْ أقلامُ مفكرِيهم، ولا أنشطة سياسييهم في المهجر. وقد كانت القاهرة منبرا من أهم المنابر التي انتبرها الكورد، في نضالهم السياسي والفكري خارجَ كوردستان، منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.
أما من ناحية أهمية الدراسة للموضوع ذاته، فإنه يعود إلى عدة أمور. منها: تأصيلٌ وتحليلٌ لماهيةِ الوجودِ الكورديّ في مصر وجذورِه التاريخية، وأثر ذلك على العلاقات المصرية الكوردية قديما وحديثا. وأيضا: معرفةُ أهمِّ الأنشطةِ التي زاولها الكورد في مصر، وتحديدُ بواعثِها، ونتائجِ ذلك على الصعيدين الكوردي والمصري. وكذلك: تفسيرُ وتعليلُ المسميات الكوردية، لعدد من الشوارع والقرى والمدن المصرية بأسماءَ وأعلامٍ كوردية، ومدلولُ ذلك في تركيبة النسيج المجتمعي المصري. ثم بيانُ كيف أن مصرَ احتضنت هؤلاء الكورد الذين استقروا فيها، وراعت حقوقهم، وساندتهم، وأعطتهم الفرصة المتاحة لمزاولة أنشطتهم السياسية والثقافية التي تخدم قضيتَهم الكوردية، من خلالِ تأسيسِ الجمعيات والنوادي السياسية والثقافية الكوردية، وإصدارِ الكتبِ والصحفِ والمجلاتِ والإذاعاتِ الكوردية في مصر.
وقد اشتملت الدراسة على خمسة فصول، تسبقها مقدمة وتمهيد، ويعقُبُها خاتمةٌ وملاحق، ثم ثبتٌ بأهم المصادر والمراجع التي اعتمدت عليها الدراسة.
أما المقدمة، فقد تحدثت فيها عن أهمية الموضوع، وأسبابِ اختياري له، وعن خطةِ البحثِ ومنهجيتِه، وتحليلٍ لبعضِ المصادر والمراجع المهمة، التي تم الاعتماد عليها بشكل عام.
وفي التمهيد، تطرق الباحث بصورةٍ موجزةٍ إلى كوردستان، من حيث المصطلح والجغرافيا. كما تطرقت إلى الشعب الكوردي من ناحية أصله، ولغته، ونفوسه، وديانته، وسماته، ومجتمعه، ومدى إسهاماته في الحضارة الإسلامية. ثم عرجت إلى الخطوط العريضة للجانب السياسيّ من تاريخ الشعب الكوردي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. حيث ميلاد الحركة الوطنية والقومية الكوردية، في جوانبها الفكرية والاجتماعية والسياسية، بدايةً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.
أما الفصل الأول، فقد أصلتُ فيه الوجودَ الكورديَّ في مصر، تاريخيا وديموغرافيا، وأثرُ ذلك على البنية المجتمعية المصرية. حيث جاء تحت عنوان: "الهجرة الكوردية إلى مصر.. بوادُرها وأسبابُها". وتتبعت فيه مراحلَ الهجْرات الكوردية إلى مصر منذ عهد الفراعنة، مرورا بعهد الدولة الإسلامية، والفاطمية، والأيوبية، والمملوكية، والعثمانية، وعهد محمد علي باشا وأولاده. وقد صدّرتُ كلامي عن الهجرة الكوردية إلى مصر في عهد محمد علي باشا، بتحقيق وتأصيل جديد لأصول محمد علي باشا، حيث توصلتُ بعد الدراسة والبحث، إلى أن محمد علي باشا يعود إلى أصولٍ كوردية، لا ألبانية ولا تركية كما تشير بعض المراجع. وقد وضحت في هذا الفصل أيضا، أن أسبابا إيجابية وأخرى سلبية وقهرية، كانت وراء تشجيعِ فرارِ بعضِ الكورد إلى مصر، أو المجيءِ إليها والاستقرار فيها، والاندماج في مجتمعها.
أما الفصل الثاني، فقد خصصه الباحث لتحديد الخريطة الجغرافية والديموغرافية لأشهر المناطق التي تواجد بها الكورد في مصر بصورة ملحوظة، فجاء تحت عنوان: "أشهر المناطق التي قطنها الكورد في مصر". وقد بدى ذلك في القاهرة، والأسكندرية، والمنصورة، والصالحية، ومدينة الكوردي، وقرى: كفر الكوردي، وميت الأكراد، وكفر كوردي، ومنشأة الكوردي، وعزبة الكوردي، والكوردي، والأكراد، وجزيرة الأكراد، وغيرها من البلدان المنتشرة في محافظات مصر المختلفة. وكانت السمة البارزة لهؤلاء أَنْ امتهنوا ما تختص به كل منطقة استقروا فيها، فاشتغلوا في الزراعةِ والتجارة والوظائف الإدارية الأخرى.
أما الفصل الثالث، فقد حمل عنوان: "النشاط السياسي للكورد في مصر"، وفيه تحدث الباحث عن القوميين والسياسيين الكورد، الذين لجأوا إلى مصر؛ خوفا من ملاحقات الآستانة وأنقره لهم، وتناولت علاقتهم بنظرائهم المصريين، وأفكارَهم الإصلاحية، وجهودَهم السياسية للقضية الكوردية، من خلال النوادي التي أسسوها، والجمعيات السياسية التي أنشأوها في مصر، مثل جمعية استقلال كوردستان عام 1917م، وجمعية خويبون – فرع القاهرة عام 1927م. وتحدث في هذا الفصل أيضا، عن أثر ووَقْع هذه الأنشطة السياسية الكوردية على الداخل الكوردستاني نفسه، وعلى الأنظمة الحاكمةِ له، وعلى مدى تجاوب المجتمع الدولي للحقوق القومية الكوردية، التي يناضل من أجلها الشعب الكوردي.
أما الفصل الرابع، فإن أهميته تدور حول تطرقه لمرحلة جديدة ومحورية في تاريخ الفكر القومي الكوردي، والذي شهد ميلادَه المطبوعَ دوريا بميلاد الصحافة الكوردية في مصر. فكان عنوان هذا الفصل: "الصحف والمجلات والمطابع الكوردية في مصر". وفيه، علل الباحث اختصاصَ مصرَ كمكان لميلاد الصحافة الكوردية، ثم تناولت أهم الصحف والمجلات التي أصدرها الكورد في مصر، وعلى رأسها: جريدة "كوردستان"، كأول جريدة للكورد على الإطلاق عام 1898م. ثم تحدثت عن أهمِّ دورِ الطباعة والنشر التي أسسها الكورد في مصر، وأثرِ إصداراتِها في إثراء وإغناء الأوساط العلمية والثقافية والأدبية (العربية والكوردية)، بإصدارات دينية وتراثية وتاريخية وأدبية وعلمية. ومن ثم تربعتْ بعضُ دورِ النشرِ تلك مكانا متميزا في دنيا الطباعة والنشر في مصر.
أما الفصل الخامس والأخير، فقد أفرد الباحث للحديث عن بُعدين مهمين، أحدُهما: اجتماعيُّ، والآخر: فكريُّ تنويريّ. حيث جاء تحت عنوان: "أشهر العائلات والرموز المصرية ذات الأصول الكوردية". وفيه تحدث ,, أولاً عن أشهر العائلات المصرية ذات الأصول الكوردية، الموجودة في أماكن مصرية عديدة، مثل: عائلات الكوردي، والأيوبي، ووانلي، وبدرخان، ومارديني، والدويني، وعوني، والگوراني، والكيواني، وغيرِها. وتناول الباحث مدى ارتباطِ هذه العائلات بالمجمتع المصري، ومدى اهتمامِ مثقفيها بالتطورات التي تَحْدُثُ على الساحة الكوردية. ثم تعرضتُ لأهمِ روّادِ الحركةِ الفكريةِ والثقافيةِ في مصر من ذوي الأصول الكوردية، مبرزا حقيقةَ التثبتِ من أصولهم، ونبذةً عن حياتهم، وأهمِ أعمالهم، ومدى ارتباطِهم بالقضية الكوردية. وختم هذا الفصل بجزئية مهمةٍ جدا؛ حيث ناقش ظاهرةً راجت في الفترة الأخيرة بين أوساط بعض المثقفين الكورد، أرجعتْ شخصياتٍ مصريةً شهيرةً إلى أصول كوردية، هكذا دون الاستناد إلى مصادرَ موثقة، أو دلائلَ مبرهِنة. ففندتُ هذه الآراء، ودون الحقائقَ التي أوصلته إياها المصادرُ الأصلية التي اعتمد عليها، حيث ظهر له أن عددا من الشخصيات المصرية قيل إن لها أصولا كوردية، وهي ليست كذلك!!
وفي خاتمة الدراسة، رصد الباحث بعضَ النتائج والحقائق المهمةِ التي توصل إليها الدراسة. أما الملاحق، فقد اشتملت على نماذجَ من الوثائقِ التي تم الاعتماد عليها، وعلى عددٍ من الخرائط التوضيحية المهمة لبعض نقاط الدراسة، بالإضافة إلى صورٍ لبعض المناطق التي زارها، وبعض اللقاءات التي قام بها.
وقد اعتمد الباحث في الدراسة على العديد من المصادر المتنوعة، مثل: الوثائق المصرية والبريطانية غير المنشورة، والمخطوطات، والمذكرات الشخصية، والكتب العربية والأجنبية، والرسائل والحوليات العلمية، والدوريات، وبعض المواقع الإلكترونية، إضافة إلى الزيارات الميدانية والمقابلات الشخصية التي أجراها في مصر وكوردستان طوال فترة البحث. حيث كان لها أثر واضح في سد فراغات بعض جزئيات الرسالة، إذْ قام الباحث بأكثرَ من 90 زيارةً ميدانيةً ومقابلةً شخصيةً، أفادتُّه من أغلبها بصورة مباشرة، ومن بعضِها بصورة غيرِ مباشرة. هذا، إضافة إلى ما أمده به بعض الأساتذة والزملاء والأصدقاء الأكاديميين الكورد في جامعات كوردستان، من مصادر ومراجع مهمة للدراسة، طوال فترة الإعداد. فللجميع كلُّ الشكر والتقدير.
وفي الختام شكر الباحث الحضورَ الكرام، الذين لبوا الدعوة.,,( أهلي وأقاربي وأحبابي، أشكر أساتذتي وزملائي (المصريين وغيرَ المصريين)، أشكر السادة: المثقفين والدبلوماسيين، والصحفيين والإعلاميين، شكر خاص لمكتب الاتحاد الوطني الكوردستاني بالقاهرة، ومسؤوله: الملا ياسين. أشكر كلَّ الكورد الذين أتوا من كوردستان خصيصا، تلبيةً لدعوتي، أشكر Pukmedia)) على اهتمامها بالأنشطة التي تتعلق بالقضية الكوردية والعربية والدولية في مصر. أشكركم جميعا).
