• Thursday, 12 February 2026
logo

الجزيرة التي غيرت طريقة سفرنا حول العالم

الجزيرة التي غيرت طريقة سفرنا حول العالم
يتسم الهبوط بالطائرة في مطار "نادي" الدولي في فيجي بطابعٍ مذهلٍ. فبعدما يقطع المرء مئاتٍ من الكيلومترات دون أن يلمح شيئاً أسفل طائرته سوى المياه، تظهر سلسلةٌ من الشعاب المرجانية من خلال الأمواج التي تتحطم عليها. وخلفها تقبع جزرٌ بركانيةٌ بوعورتها وطابعها الصخري واللون الأخضر الذي يكسوها، كل ذلك في آن واحد.

ثم تلوح أمام ناظريك جزيرة فيتي ليفو، كبرى جزر فيجي، التي لا يسمح لك اتساعها برؤيتها كاملة حتى من على بُعد. وهكذا يصبح انطباعك الأول عن هذا البلد مشوباً بشعورٍ مزدوج يمتزج فيه الإحساس بكونه نائياً وشاسعا في آنٍ واحد.

إنه منظرٌ طبيعيٌ رائعٌ حقا، ويزيد من روعته حقيقة أنه لبلدٍ قاد الملاحة الجوية إلى دخول القرن الحادي والعشرين. فالمجال الجوي الخاص بالجزر المؤلفة لفيجي، كان الأول الذي يُدمج في نظام التموضع العالمي أو نظام تحديد الموقع باستخدام الأقمار الاصطناعية المعروف باسم "جي بي إس"، وذلك بعدما أدخلته السلطات الحاكمة في هذا البلد في منظومتها للملاحة الجوية. وبهذه الخطوة، غيّرت فيجي - وإلى الأبد - الطريقة التي ننتقل بها من موقعٍ إلى آخر بعيد عنه على خريطة العالم.

وإذا عدنا إلى الوراء قليلاً، سنجد أن الـ "جي بي إس" هو نظام ابتكره الجيش الأمريكي في سبعينيات القرن الماضي، بهدف تحسين إجراءات الملاحة الجوية. وفي ذلك الحين، كان هذا الأمر بشكلٍ عام يعتمد على أجهزة الرادار ومنظومات التوجيه البصري، إذ كان الطيارون يعتمدون - منذ أربعينيات القرن الماضي - على مساراتٍ ملاحية تحددها مراكز أرضيةٌ يُطلق عليها اسم "منارات"، سواء من خلال إرسالها إشاراتٍ لاسلكيةً أو علاماتٍ مرئيةً.

ولم يكن هذا النظام خالياً من العيوب، ففي فيجي - على سبيل المثال - لم تُزود سوى خمسةٍ من أبراج المراقبة بـ "مناراتٍ لاسلكية"، ما يعني أنه لم يكن لدى الطيارين أي أجهزة رادار يمكنهم الاعتماد عليها، في مساحةٍ تصل إلى نحو 80 في المئة من المجال الجوي الهائل لهذا البلد.وكانت الأمور أكثر صعوبةً وتعقيداً فوق المسطحات المائية الواسعة. وفي ظل غياب هذه "المنارات اللاسلكية" بشكلٍ كامل، كان الطيارون يلجأون إلى ما يُعرف بـ "تقدير الموضع" أو "التقدير الاستدلالي" وهو أسلوبٌ في الملاحة الجوية، يتم من خلاله تحديد الموضع الحالي اعتماداً على آخر نقطةٍ معروفة الإحداثيات.

كما كان يتم اللجوء في ذلك الوقت إلى ما يُسمى بـ"الملاحة الفلكية"، والتي تستخدم القياسات بين الأفق المرئي ومواقع أجرامٍ وكواكب مثل الشمس والقمر أو أي كوكبٍ آخر كنقاطٍ مرجعيةٍ. وحتى النصف الثاني من القرن العشرين، كانت طواقم الطائرات التي تقوم برحلاتٍ عبر المحيط الأطلسي، تضم شخصاً يُعرف باسم "ملاح الرحلة"، كان يحمل على عاتقه المسؤولية الثقيلة المتعلقة بإجراء الحسابات الخاصة بالملاحة الجوية وتحديد المواقع طيلة الطيران، وهو ما كان يريح قائد الطائرة من ذلك العبء.

غير أن استخدام الـ"جي بي إس"، يؤدي إلى تحديث موقع الطائرة بشكلٍ مستمرٍ ودقيق، من خلال تحديد موضعها بالنسبة للأرض والأقمار الاصطناعية. وفي عام 1978، دخل إلى المدار أول قمرٍ من مجموعةٍ سيصل عددها في نهاية المطاف إلى 24 قمراً تشكل المنظومة الكاملة للـ"جي بي إس"، مُدشناً بذلك مشروعاً يستمر 15 عاماً.وفي بادئ الأمر، بحثت وزارة الدفاع الأمريكية إمكانية تقاضي رسومٍ نظير استخدام الآخرين نظام "جي بي إس" الذي ابتكرته. لكن الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان عاد وأعلن أن استخدام هذه المنظومة سيُتاح للجميع بشكلٍ مجاني، وذلك عقب انحراف طائرة كورية عن مسارها عام 1983، ودخولها المجال الجوي للاتحاد السوفيتي السابق - المحاط بالقيود وقتذاك - ما أدى إلى إسقاطها.

وأفضت هذه الخطوة - التي اتخذها ريغان أملاً في أن تؤدي للحيلولة دون تكرار مثل هذه الحوادث المؤسفة مستقبلاً - إلى تمهيد الطريق أمام الشركات التجارية لتطوير معداتٍ مُخصصةٍ للاستخدام المدني للـ"جي بي إس".

وبنهاية عام 1990، أصبح هناك 16 قمراً اصطناعيا - تتبع ذلك النظام - قيد التشغيل ومنتشرة في أماكنها، وهو ما كان كافياً لأن يغطي "جي بي إس" في كثيرٍ من الحالات غالبية أنحاء العالم. وبحلول ذلك الوقت، كانت أجهزة الاستقبال المرتبطة بهذا النظام، والتي يمكن للأفراد استخدامها، متاحةً للعامة.



بي بي سي
Top