النص السردي
هذا المقال مقاربة عابرة للنصين السردي والبصري. في الجزء الاول منه نحاول تسليط بعض الضوء على النص السردي الذي بات يتوزع حاليا على الشعر وطيف من فنون النثر (القصة، الرواية، النثر الفني..). ولم تصنف حتى الآن النصوص النقدية كنصوصا سردية.
السرديات فنون ادبية هي نتاج العقل الغربي الذي اكتسح العالم وفرض حضوره الفني والثقافي على الاوساط الثقافية والقراء في آن واحد حيثما كانوا في اصقاع الارض، مكتسحا الانماط السردية المحلية (ان وجدت) لمختلف الشعوب. نحن شعوب الشرق الاوسط لدينا الكثير من النصوص السردية في الادبين المدون والشفاهي، لكننا عجزنا عن الارتقاء بها كي تطرق باب الترويج وتعمم مثلما شهدت النصوص ذات النمط الغربي من ترويج وانتشار.
السرديات الادبية تتوزع على انماط واساليب (سماها النقاد العرب بالمدارس) عديدة، تطورت بموازاة الانماط والاساليب الفنية (والتي عرفت بالمدارس لدينا نحن الكورد ايضا). ويتبوء النص الروائي الصدارة من حيث الانتشار والشهرة في الوسط الادبي العالمي، ولعل نوبل الاداب التي تمنح للنصوص الروائية منحت شرعية اكبر للرواية باعتبارها السردية المثلى ضمن حيز الابداع الادبي العالمي.
تعكس السرديات الواقع البيئي والحضاري ومكونات التراث الثقافي والروحي للشعوب والامم بما فيها من ظواهر سلبية ومآثر انسانية وتقلبات دراماتيكية تعصف بالافراد والشعوب. ولعب السرد الروائي دورا عظيما في الترويج الثقافي والتسويق الحضاري لموروث الامم ومخيال افرادها. وارتقاء السرد الابداعي المنتج، يعد منجزا تعتد به الشعوب وتكسب منتجها شهرة واسعة.
النص السردي كي يكتسب الشرعية الادبية، لابد وان يرتكز على بعض المعطيات الاساسية التي تمنحه قدرة البلورة ومن ثم التسويق والاستقبال من قبل المتلقين. اعتقد ان من اهم ركائز النص السردي هو المصداقية في الطرح ومع الذات. يليها امتلاك حرفة الكتابة واتقان صنعة السرد بما فيها من تقانة وفنون. ويلعب النقد واحيانا سلطة الايديولوجيا دورا مهما في الترويج للنصوص السردية. واحيانا يلعب نقاد الادب دورا مؤثرا في انطلاق نص ادبي وانتشاره.
اطلق النقاد منذ عقود مقولة بـ"ان الشعر مرهون بالبداوة والحياة القروية"، الا ان السرد القصصي والروائي بالذات يلد في رحم المدينة وزحمة الحياة فيها. هذه المقولة لم تفند حتى الآن كون معطيات الادب المدون تدعمه. الا ان السرد الشفاهي بما فيه من تنوع في انماطه، قد يفند هذا الادعاء بحسب سياق مواز ومقاربة افتراضية. لكن الاوساط الادبية والثقافية لم تول هذا النمط (الشفاهي) من السرد ما يستحق من دراسة ومتابعة، بل واكثر من ذلك لنقل ما يستحق من احياء كي يكون له حضوره وحضوته في حياتنا المعاصرة.
من باب الاستشهاد نقول، بان الادب الكردي، كباقي اداب الشعوب الاخرى، يتوزع بين ادب شفاهي وآخر مدون. الادب الكردي المدون يتركز في منتج الشعر بشكل اساسي، حيث ظهر قبل الف عام عدد من الشعراء الذين وصلتنا نصوصهم. بابا طاهر الهمداني وبير احمد كركوكي هما صاحبا اول النصوص الشعرية التي ورثناها. وطوال حوالي الف عام يبقى الشعر كنص سردي منظم، هو السائد في الوسط الادبي الكردي المدون. بل ان ملحمة (مم وزين) للشاعر احمدي خاني هي ايضا سرد شعري، وكذلك نصوص ملحمية اخرى مثل (شيرين وخسرو) للشاعر خاناي قوبادي و(شيخ صنعان) لعدد من الشعراء، كلها وردت كنصوص سردية شعرية، مع انها نصوصا ملحمية تتوافق مع السرد النثري، لكن يبدو ان الشعر كان السرد الذي لا يجارى آنذاك. ولم يبرز السرد النثري في الادب الكردي المدون الا في القرن العشرين تحت تأثير الثقافة الاوربية الوافدة.
انا اعتقد بان الادب الشفاهي الكردي هو الاكثر غنى وثراء من الادب الكردي المدون من حيث تنوع انماطه وسعة مساحته السردية وتنوع فحوى مضامينه وابعاده السردية. نحن هنا لا نتطرق الى التراث الادبي للاديان الكردية (الزرادشتية، اليارسانية، الايزدية)، فهذا بحد ذاته يحتاج متابعات خاصة، بل اشير الى السرد الشفاهي الكردي الشائع بين عامة الشعب. هذا الادب الذي اضمحل مع ظهور التكنولوجيا.
التحدث هنا عن السرد الكردي هو من باب اطلاع قراء العربية على ذلك، كون المصادر حول ذلك قليلة باللغة العربية. عليه اقول فان السرد الشفاهي الكردي يقدم قائمة طويلة من الانماط السردية المذهلة، وفي مقدمتها الملاحم (البطولية والغرامية وتسرد نثرا وشعرا)، الاساطير، الحكايات، القصص الطويلة، القصص القصيرة، قصص الاطفال، نصوص العمل بمختلف انواعه، التراتيل الدينية، الامثال والحكم، البيت، الشعر... الخ.
من باب الاشارة اقول، بان التيار الجارف للحضارة والمدنية الغربية لم تمهلنا الالتفات الى انماطنا السردية المحلية، بل اندفعنا نحو منتج الحضارة الغربية وانماطه السردية.
(*)محور كركوك، الملحق العربي لصحيفة (هوال).
