• Monday, 04 May 2026
logo

تركيا بين خيارين صعبين

تركيا بين خيارين صعبين
أفين شكاكي

أصبح ملف شراء تركيا العضو في حلف الناتو منظومة "إس 400" من روسيا، من أكثر نقاط الخلاف بينها وبين أمريكا. تركيا التي طالبت في بداية الأزمة السورية عام 2011 بــنشر بطاريات باتريوت الصاروخية وتعزيز قدرات دفاعاتها الجوية وحماية أمنها، وصرحت مراراً أنها عازمة على عقد شراكات لنقل تكنولوجيا الصناعات الدفاعية لحماية 82 مليون مواطن تركي، لكنها لم تتلقَّ تجاوباً من أمريكا وحلفائها في الناتو، ما دفعها في مطلع كانون الأول 2017 إلى شراء منظومة "إس400" من روسيا بصفقة بلغت قيمتها 2.5 مليار دولار وبقروض روسية.

منظومة الدفاع الجوي "إس 400" هي إحدى منظومات الأسلحة الأكثر تطوراً في السنوات الأخيرة، ومن أهم مميزاتها؛ الدقة في تدمير أهداف تتحرك بسرعة 5 كيلومترات بالثانية، ويبلغ نطاق ومدى صواريخها 400 كيلو متر، كما أنها مصمَّمة كي تكون مناسبةً لجميع أنظمة الصواريخ. الأمر الذي جعل العديد من الدول، ومنها تركيا، تعلن عن استعدادها شراء هذه المنظمومة المتطورة.

سعي تركيا لتحقيق ذلك، أقلق حلفاءها في الناتو. من جهتها، طلبت أمريكا من تركيا التخلي عن تلك الصفقة، معتبرةً أن منظومة "إس400" الروسية لا يمكن تكييفها مع الأسلحة المستخدمة من قبل دول الناتو. لكن أمريكا ومعها الحلفاء في الناتو، متخوفة من أن قدرات "إس 400" تسمح لمالكها بدراسة وتقييم إمكانات مقاتلات "إف- 35"، وهذا الأمر لن يكون في صالحها، كما صرح به قائد القوات الجوية الأمريكية في أوروبا وأفريقيا تود والترز لوكالة رويترزـ الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى بيع تركيا منظومة باتريوت المضادة للصواريخ ومقاتلات "إف- 35" ذات التقنية العالية والمتطورة بقيمة 3.5 مليار دولار، وتدريب الضباط الأتراك على كيفية تشغيلها في أمريكا، كخطوة بدت كأنّها بادرة حسن نيّة تجاه تركيا للتخلي عن الصفقة الروسية ـ لكن فيما بعد، أجّلت أمريكا تسليم مقاتلات "إف- 35" مع استمرار تركيا مفاوضاتها حول المنظومة مع روسيا.

صرّحت تركيا، على لسان رئيسها رجب طيب أردوغان في كلمة له بالملتقى السنوي الخامس لشباب تركيا في ولاية ديار بكر جنوب شرق البلاد: إن تراجعها عن اتفاقها مع روسيا سيكون "غير أخلاقي"، وأن بلاده "ملتزمة بشراء تلك الصفقة، ولا مجال للتخلي عنها، لأن شراء المنظومة لا علاقة له من قريب ولا من بعيد بصفقة مقاتلات إف- 35 وأمن حلف الناتو". مضيفاً أن "أنقرة ربما تدرس لاحقاً حيازة منظومة إس 500" في خطوة الهدف منها التصعيد على ما يبدو.

من جهته، صرح وزير الدفاع التركي خلوصي أكار: إن امتناع أمريكا عن منح تركيا مقاتلات إف-35 في الوقت الذي تقوم فيه بتدريب الضباط والطيارون الأتراك على تشغيلها، يتنافى مع القانون والمنطق". في السياق ذاته، هدد المتحدث باسم البنتاغون تشارلز سامرز، في مؤتمر صحفي، الحكومة التركية بشكل صريح؛ بأن تركيا في حال شرائها منظومة إس400 من روسيا تطبيقاً للعقد الذي أبرمته معها في عام 2017 ستواجه عواقب خطيرة، وسينعكس على اتفاقياتها حول شراء الأسلحة من أمريكا. وأكد على أنه "في حال استلام تركيا إس-400 لن يكون بإمكانها الحصول على مقاتلات إف-35 وصواريخ باتريوت".

يرى الكثير من المراقبين أن تهديد البنتاغون الأخير وضع تركيا في موقف صعب للغاية، وعليها أن تختار بين روسيا وأمريكا. وعبّر عن ذلك رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي جيمس إنهوف بقوله: "إن تركيا شريك هام لأمريكا في حلف الناتو، فإذا أتمت تركيا عملية شراء منظومة إس400 واختارت روسيا، فإنها ستواجه عواقب خطيرة". ويذهب آخرون إلى أن تركيا ماضية في إتمام الصفقة حتى لو خسرت أمريكا. في الوقت عينه، تراهن روسيا على إتمام الصفقة، وإن بسعر أقل من تكلفتها، بهدف تعميق الشرخ وشقّة الخلاف بين واشنطن وأنقرة.

في الثاني من شهر آب 2017، وكردّ فعل على التدخل الروسي العسكري في كل من سوريا وأوكرانيا، طبّقت أمريكا قانون عقوبات، وقّع عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يسمح بموجبه معاقبة كل من يشكّل تهديداً على الأمن الدولي، سواء أكانوا أفراداً أو شركات أو دولاً. هذا القانون لا يزيد من حرج الموقف التركي وحسب، ويشكل السيف الأمريكي المسلّط على تركيا وحسب، وبل يضع الإدارة الامريكية أيضاً أمام مأزق التنفيذ لجهة التعامل الصارم مع تركيا في حال استقر خيارها على روسيا.

تركيا منذ تأسيس الجمهورية سنة 1923 اختارت التوجه غرباً وحققت الكثير من المكتسبات والانجازات. والماضي التركي مع الروسي إبان السلطنة العثمانية ملطخ بالحروب والقلاقل والصراعات. مضافاً إليه مهما بلغت العلاقات بين أنقرة وموسكو تطوّراً، فلن تسمح الاخيرة لتركيا التمدد داخل جمهوريات اسيا الوسطى التي تعتبر منطقة صراع نفوذ بين تركيا وروسيا. الموضوع أبعد من صفقة اسلحة بين تركيا وروسيا. وغالب الظن أن المجازفة والتقرّب التركي من روسيا على حساب الحليف الامريكي ستجعل من تركيا تخسر مجموعة حلفاء غربيين، ولن يتحوّل عدو الامس وخصم اليوم الروسي إلى صديق وحليف لتركيا ويحل محلّ امريكا والناتو.







باسنيوز


Top