استفتاء كوردستان وحسابات الحقل والبيدر
واجهه الاستفتاء الشعبي الديموقراطي في كوردستان تنكرا صارخا من قبل الحكومة الاتحادية والقوى الإقليمية والدولية بذرائع مختلفة دون أي مبرر دستوري او قانوني او حتى متفق مع أولويات العدالة وحقوق الانسان رغم ان القيادة الكوردستانية اكدت مرارا، قبل الاستفتاء وبعده، ان نتائجه لا تعني اعلان الاستقلال في اليوم التالي وانه مرتبط بالتفاهم والاتفاق الكوردي العربي.
الان اذ تعيد الدولة العراقية احتلال قرابة نصف كوردستان وتفرض عقوبات جماعية ضد الشعب الكوردي وترفض الحوار والتفاوض عمليا، تحاول أيضا من خلال اعلامها المأجور والفاسد شن حرب نفسية ضد الشعب الكوردي ومحاولة تفتيت ارادته الوطنية والادعاء بان الخاسر الأكبر من الاستفتاء هو الشعب الكوردي وعليه لم يبق امامه غير الاستسلام للأمر الواقع والقبول بالعبودية والانصهار في بوتقة العنصرية والطائفية، او كما يحلو لبعض منظري اخر زمان الانصهار في بوتقة الامة الجامعة!!
الحقيقة التي لا يريد هؤلاء ان يستوعبوها هي ان الاستفتاء الشعبي الديموقراطي كان انتصارا كبيرا بكل معنى الكلمة لإرادة شعب كوردستان وحركة التحرر الوطني الكوردستاني وتم من خلاله إيصال صوت المطالبة بالحرية والعدالة والاستقلال للعالم اجمع بما فيها الأمم المتحدة والقوى العظمى وشكل اول اختراق كبير للستار الحديدي المضروب حول القضية الوطنية الكوردستانية، وليس من باب المبالغة انه أرعب أعداء الشعب الكوردي واجبرهم على اصطفافات جديدة لن تجديهم نفعا ورغم انف البعض منهم.
ان من يعتقد انه بالتعاون مع بعض الخونة والمرتزقة المأجورين استطاعوا إعادة احتلال جزء من كوردستان وقلبها النابض كركوك، يتناسون حقيقة ان الشعب الكوردي يخوض غمار كفاح وطني طويل الأمد من اجل الحرية وان خسارة معركة لا تعني خسارة الحرب وقد شهدت حركة التحرر الوطني الكوردستاني ما هو اسوأ بكثير من الواقع الحالي واستطاعت بنجاح ان تستوعب تلك الأوضاع المريرة وتحولها الى انتصارات جديدة على طريق الحرية والاستقلال.
لما سبق يبقى تعنت بعض مراكز القرار في بغداد واصرارها على فرض شروط تعجيزية للحوار والتفاوض مجرد هراء سياسي وعدم استيعاب لتجارب التاريخ ونضال شعب كوردستان وأيضا تهرب من المسؤولية الوطنية لتحقيق مكاسب انتخابية!!! هذا إذا لم يكن موقفها أساسا نابع من الغرور والشعور السقيم بنشوة النصر المزعوم الذي لم يكن ممكنا لولا الاستقواء بالتدخل الإقليمي وخيانة حفنة من المرتزقة.
واضح ان شعب كوردستان لايزال يمتلك الكثير من الخيارات الحاسمة وحري ببغداد ان تفهم وتتفهم إرادة الشعب الكوردي قبل ان تغرق تماما في مستنقع محاربته بكل الاشكال اللاأخلاقية واللادستورية التي مورست حتى الان، فحسابات الحقل لا تتفق دائما مع حسابات البيدر.
الاستقواء بالأجنبي وتدخل القوى الإقليمية لحماية الوحدة القسرية للدولة العراقية لن يجدي حكام بغداد نفعا وفقط الحوار غير المقيد بشروط مسبقة مع احترام إرادة شعب كوردستان هو السبيل الصحيح الى السلام والمصالحة وربما لبقاء الدولة العراقية المرشحة بقوة للتقسيم والزوال.
