• Wednesday, 04 February 2026
logo

للغة الكوردية حجر زاوية المبنى القومي

للغة الكوردية حجر زاوية المبنى القومي
خالدة خليل

من يتصفح التاريخ الشرق أوسطي بإنصاف على مر القرون الماضية، لن يشك ولو للحظة واحدة بما تعرض له الكورد من غبن ومظلومية. وبين محاولات كثيرة استهدفت القومية الكوردية لطمسها، بقيت هذه القومية الخالدة، تنمو في نفوس الكورد اكثر الذين قاوموا كل انواع الاحتلالات الفكرية وغير الفكرية. وسعى الكورد دائما الى ان يكون لهم كيان موحد في جغرافيتهم التي يستوطنونها دون التمدد على حساب الغير المجاور لهم. فاذا كان الغير قد احتل جغرافية كوردستان ارضا فان الكورد احتلهم فكرا قوميا مناضلا متمسكا بأرضه، التي تعني لهم ــ اي الكورد ــ الوجود والحياة والثورة، ويرددون كما قال جورج برنادشو: بأن العالم لن يهدأ حتى ينفذ حب الوطن من نفوس البشر.

اليوم وبعد ان تحقق للكورد منجزات نعتبرها مكسباً كبيراً قياسا بالعقود الماضية في ظل الانظمة المتعاقبة، التي تخللتها فترات حروب وإبادات ضد الكورد كما في حلبجة والأنفال. لم يدع العدو المتربص بهذه الإنجازات ان ننعم بها طويلا ، فكانت محاولته الدنيئة الاخرى التي تمثلت بإبادة اخرى للكورد الايزيديين الذين يحملون اختلافا دينيا ، لن يكون بالطبع عقبة امام الطموح الكوردي في تحقيق استقلاله ، حتى وان ذهب البعض الى غير ذلك ، من الذين لايدركون حجم المؤامرة ، إما بسبب قصور الرؤية وعدم تعمقهم في قراءة تاريخهم جيدا ، أو بسبب بعض التدخلات الغريبة التي تستهدف وحدة الكورد وأمانيهم .
إن المد القومي يعتمد في ايديولوجيته على اللغة بوصفها أهم أداة تواصل بين أبنائه ، إذ تمكننا من الوقوف الى جانب الاصالة التي تستفز الذات ماهية وكينونة من أجل أن توحد المبعثر جراء تعدد الاختلافات الفكرية ومايتشظى عنها .والمشروع الثقافي يدعونا الى التصدي لأي كائن يسعى الى تفتيت القيم التي ناضل من اجلها طويلا الفكر القومي الكوردي ، وذلك لإبقاء هذا الفكر حيا ديموميا بالرغم من المساعي المغرضة استعمارية كانت أو رجعية بهدف دفنه أي الفكر في دهاليز الظلام ، فلقد حاولت الأنظمة الرجعية طويلا محاربة هذا الفكر من خلال محاربة اللغة الكوردية وحظرها ولكن يبقى سؤال : هل بإمكان كائن من كان أن يلغي فكرا ؟
أقول قد يكون في إمكان كائن من كان أن يركن فكرا ما لفترة مظلمة أو يحاربه بشتى الاسلحة المتطورة وبكل منحنيات الاستبداد المطلق . لكن الالغاء مستحيل وإن بدا الاقصاء صورة من الالغاء المؤقت .
لذا نجد بأن الفكر الأصيل ينعش ويعود لنشاطه بعد انتهاء الممارسات القمعية بانتهاء الأنظمة . واذا حاول النظام السابق في الإحصائيات التي جرت عام ١٩٧٧ ابعاد الايزيديين عن قوميتهم الكوردية ، فإن هذا التزييف التاريخي سقط بسرعة كون أبناء الايزيدية أنفسهم يعلمون جيدا ان لغتهم الكوردية هي دليل أصالتهم وتراثهم ولقد تمسكوا بها بالرغم من الإبادات التي كانت تهدف الى محو هويتهم الا انهم بقوا متمسكين بهذا التراث الكوردي الأصيل حتى وان كان شفاهياً ، بسبب الظروف التي مر بها الكورد والمنطقة الكوردية والتي منعتهم في اغلب الأحيان من تدوين تاريخهم بأقلامهم الأصيلة .

وطالما أن الامر كذلك فثمة سؤال آخر سيظهر الى السطح مفاده : ماهذه الجلجلة وهذا الصخب الدائرين اليوم في اروقة هذيان اعداد من ابناء القومية الكوردية من الايزيديين في محاولة لسحب بساط الاصالة من تحت اقدام تاريخها واستبداله بآخر مزيف ؟! ولم ؟! خاصة إن كانت الهوية القومية الاصلية تحمل جذورها ابناء الديانة الايزيدية وهي من اقدم الديانات التوحيدية الكوردية في منطقة الشرق الأوسط ؟ أهو مخطط سياسي يسعى الى الدفع الى التشبث بالقشور على حساب الاصالة أم ان الفكر السياسي المناهض يمكن أن يفرغ مضمونه ليعلن عن إفلاسه فيما بعد خدمة لاصحاب مقولة فرق تسد !
قد يكون مرد هذا التخبط واضحا وفلسفته السياسية قائمة دون سند طالما أن التيارات الايديولوجية لاتعني تجريد الانسان من الاصالة ، حتى وإن كانت تعني تجريده من الفكر الميثولوجي كما يرى دعاة الليبرالية القائمة أساسا على فصل الدين عن الدولة . ولكن حتى لو سلمنا بهذا المفهوم فإنه لايمكن بمكان تحت أي ظرف أو مسوغ التنكر للغة بالمفهوم المتفق عليه أداة تواصل وتوصيل نحمل نحن كل مضامينها ودلالاتها المشتركة . لماذا يتبنى هذا البعض مثل هذا الاختلاف أصلا مع وجود جذر موحد ولغة وارث ثقافي قومي غير مختلف عليه في خطوطه العريضة بين الكورد مسلمين وايزدييين ، وإن وجد اختلاف عقائدي ؟!
هل هو من اجل المطالبة بالمزيد من الحقوق؟ مع أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني قدم للكورد الايزيديين مالم يقدمه أي حزب آخر في تاريخهم الطويل. ولاننسى مافعله سيادة الرئيس مسعود بارزاني اثناء كتابة الدستور العراقي في عام ٢٠٠٥ وتثبيته لحقوق الايزيديين في الدستور على انهم ديانة. وانتخاب أعداد منهم للبرلمان العراقي والكوردستاني وتوليهم لوزارات وهذه حقوقهم كونهم كورداً ولكن علينا ايضا مقابل ذلك ان نكون اوفياء مع من كان وفياً معنا ، ولا يختلف اثنان في ان الوفاء من اخلاق الكورد . .
ان الاختلاف السياسي والمطالبة بالحقوق لايعنيان أبدا الانسلاخ عن الحقيقة وإن كان هناك مسخ مؤقت فإنه ليس الازوبعة فصلية لن يقدر لها أن تقتلع غير المتيبس من أغصان الشجرة القومية ، ولن تقدر أيضا الا على بعثرة الاوراق الصفر المتساقطة أصلا من هذه الشجرة .
Top