فشل الايديولوجيا في سوريا تعددية
الاحتجاجات السلمية السورية انطلقت ضمن نطاق وأجواء ثورات الربيع العربي. مطاليب المتظاهرين انحصرت بالاصلاح ومعالجة الخلل في التركيبة السياسية والقانونية والوضع الحقوقي للمواطنين، حيث طالب المتظاهرون من مختلف شرائح وأطياف الشعب السوري بحقوق المواطنة وفق المعايير المعاصرة المعمول بها في العالم المتحضر. اغلبية السوريين يعتقدون بأن مقاليد السلطة والسيادة مرهونة بيد ابناء الطائفة العلوية. هذا الاعتقاد الذي لا يفتقر الادلة الواقعية، عمّق من أحاسيس مشاعر الغبن لدى بقية السوريين. هناك نسبة ضيئلة من غير العلويين من المتعاونين والمنضوين تحت جناح السلطات السورية بعناوين ومسمّيات عدة، لكن الاغلبية الساحقة من السوريين (من غير العلويين)، كانوا ومازالوا يتملكهم شعور طافح بالغبن والحرمان. ويعد هكذا شعور بمثابة المحرك الاقوى للتمرد ومواجهة السلطات.
التغيير الذي يتطلع اليه الشعب السوري يرقى الى ضمان الحرّية والعيش الكريم للجميع. الحكومة السورية الحالية بقيادة (البعث- الاسد) تخضع لنظام قمعي ذو طابع دكتاتوري يعتمد على رجال الامن والبوليس في ادارة السلطة، لا تستجيب مثل هذه الحكومات لمتطلبات وتطلعات الانسان المعاصر ونمط الحياة المدنية وفق رؤى العصر والمعايير الحقوقية المعمولة بها في المجتمعات المدنية وتعجز تماما عن تحقيق الرفاهية والرضى والازدهار. والعقدة التي أخّرت زمن التغيّر المنتظر هو ان قوى المعارضة السورية لم تقدم نموذجا أكثر معقولية من نظام البعث- الاسد، وكان ذلك السبب في تأزم الوضع السوري ودخوله في نفق معتم.
المعارضة السورية عموما يمكن ادراجها تحت عنوانين عريضين، قوى دينية متطرفة من العسير جدا انسجامها مع الحياة المدنية المعاصرة، وبالتالي من غير المنطقي التعويل على مشاريعها فيما يخص سوريا المستقبل. وقوى قومية دينية تعد هجينا من الايديولوجيا الدينية والايديولوجيا القومية العربية، والاخيرة لا تغادر طروحات النظام الحالي الذي قاد طوال العقود الماضية الدولة السورية وفق ركائز الحكم الشمولي الشرقي، ما يعني المنتظر من مشروع هذه المعارضة الهجينة لا يجتاوز عتبة النظام الحالي ودائرة تصرفه كنظام سياسي واداري حيال فسيفساء الشعب السوري.
سوريا الاثنية
يرى الكثيرون من متابعي ومؤرخي الفكر القومي العربي، بأن الشام وبالتحديد سوريا هي أحد أهم منابع الفكر القومي- السياسي العربي. وكان كبار منظري ومؤسسي هذا الفكر هم من النخب المسيحية التي ربما كانت تتطلع لبناء نظام علماني على النمط الاوربي اعتمادا على اللغة باعتبارها هوية ثقافية جامعة عابرة للتكوينات الاثنية المختلفة. والمشروع القومي العربي الذي تجلى في طروحات حزب البعث العربي الاشتراكي وشعاراته، حيث استطاع هذا الحزب من خلاله الوصول الى سدة الحكم في أهم دولتين مشرقيتين في العالم العربي (العراق وسوريا). وهذان البلدان يتكون شعبهما من اثنيات (دينية وقومية ومذهبية) مختلفة. ففي العراق هناك العرب والكرد (القوميتان الرئيستان) والتركمان والناطقين بالسريانية والارمن، وهناك المسلمين (شيعة وسنة) ومسيحيين (بطوائف متعددة) وايزديين وصابئة مندائيين. وفي سوريا أيضا هناك العرب والكرد (القوميتان الرئيستان) والأرمن والشركس وناطقون بالتركية الاذربيجانية، وكذلك هناك المسلمون والعلويون والدروز والمسيحيون (بطوائف عدة) والاسماعيليون والايزديون والشيعة. وتشير بعض المصادر الى وجود 17 لغة في سوريا احداها انقرضت.
هذا يعني اننا امام مجتمع ذات تعددية ثقافية تستوجب التعامل معه وفق مبادئ العصر التي تفترض وتفرض قانونيا مراعاة الحقوق السياسية والثقافية لهذه المكونات الاثنية في البلد. ويمكن تحقيق توازن حقوقي بين المكونات من خلال عقد دستوري يرسي العدالة الاجتماعية ويفسح المجال واسعا للجميع لممارسة حقوقهم الانسانية التي أقرتها الشرائع الدولية وصولا الى حق تقرير المصير وفق الذي يرتأيه ابناء هذه المكونات بما يحقق مصالحها العليا ويضمن حقوقها القومية والانسانية ويمهد للرفاهية والازدهار للجميع.
بلاد الشام: التركيبة العرقية. كل لون يمثل مجموعة عرقية أو دينية. (مايكل Izady / مشروع Gulf/2000 في جامعة كولومبيا)
تقول بعض المصادر بان الغالبية العظمى من السوريين 74% هم مسلمون سنة، 16% مسلمون (من طوائف الاسماعيلية والشيعة والعلويين والدروز)، مع ملاحظة انه يعتقد بأن الدروز هم من اتباع احدى الديانات القديمة، وتقول بعض المصادر بأن اصولهم كردية، و10% من السكان هم من المسيحيين موزعين على أحد عشر طائفة (يونانيون وأرمن وسريان ارثدوكس وروم ارثدوكس وكاثوليك وآشوريين كاثوليك.. الخ).
حاول نظام البعث الشمولي (وكذلك الانظمة السابقة) التغطية على فسيفساء المجتمع السوري واسباغ طابع الاحادية الاثنية والثقافية على البلد من خلال سياسات تربوية وثقافية اعتمدت القهر والتهميش، وعلى الصعيد الرسمي مارست نفس السياسية ايضا قامت بفرض اللغة العربية لغة رسمية وحيدة واطلاق تسمية الجمهورية العربية السورية على البلد. السنة يشكلون الاغلبية (حوالي 60%) من اجمالي الشعب السوري (وغالبيتهم من العرب والكرد)، وبحسب بعض التقديرات قد يشكل العلويون 20% من السكان، ويشكل الكرد ما بين (15% الى 20%) من اجمالي سكان سوريا.
توالي المؤتمرات في مدن وعواصم آسيوية واوربية تحت عناوين معالجة القضية السورية وبرعاية دولية ودعم أو توافقات من القوى العظمى لم تنهي المعضلة حتى الآن. طروحات النظام تتصف باللاواقعية والاستعلائية السياسية وشيئا من الغرور السلطوي، يقابلها غرور وطوباية من جانب قوى المعارضة. وميدانيا فان البلد تحول الى مقاطعات متناحرة وامارات متعادية تفصل بعضها عن البعض حدودية اميبية.
قدر تعلق الأمر بالشأن الكردي، فان الكرد أمة شأن أي امة اخرى، يحق لها ما يحق للآخرين. يمتلك الكرد كافة مقومات الامة وتنقصها (أو هي محرومة من) ممارسة السيادة على جغرافية موطنه. حرمان الكرد من حق السيادة جاء بفعل عامل خارجي ومشيئة دولية كانت متفقة بأن مصلحة القوى الاستعمارية الكبرى تتوافق مع تسليم زمام السلطة والسيادة على الشعب الكردي وموطنه الى قوى استعمارية محلية.
دولة المواطن (المفترضة) لم تتح للكردي ان يمارس وجوده وحرّيته، لأن الانظمة السياسية التي تقتسم جغرافية كردستان عجزت عن توفير العدل والمساواة والحرية والرفاهية للكل بما فيهم الكرد. وبات الكردي امام خيارين: الذوبان في بوتقة القومية السائدة صاحبة السلطة والسيادة، أو التمرد واللجوء الى الثورة والقيام بالانتفاضات التي كلفت الكرد الكثير، حيث قامت الانظمة المحتلة لارض كردستان بمقع الكرد وتطلعاتهم العادلة في ممارسة حقهم في السيادة على الارض.
الواقع الكردي في ظل مقاربة للوضع الحالي للعالم تقودنا لاستنتاج حقيقة مفادها، بانه لا يتوقع استمرار خضوع هذا الشعب لمحتلي أرض كردستان. والانظمة والقوى التي ماتزال تراهن على تهميش الكرد ومصادرة حقوقهم لن تكسب الرهان. فالقضية الكردية هي اليوم القضية الأكثر سخونة في الشرق الاوسط والتي تستوجب الحل العادل، اذا ما ارادت دول المنطقة ان تعيش حالة من الاستقرار الدائم. النظر للقضية الكردية في سوريا من منظار ايديولوجي (من جانب النظام والمعارضة) لن يحقق النجاح.
