القومية بين المتاجرة والواقعية
اتذكر عندما كنا صغاراً بان الاهالي كانوا يتغنون بالانتماء الكوردي، ربما لم يكونوا يضعون المصطلحات جيدا" لكنهم كانوا يعون جيدا"(الانتماء للارض والمصير المشترك لانهم كانوا مؤمنين ان الوطن اهم من الدين ومن القومية) فالانسان بلا وطن لا يملك اي شيئ.
في بداية السبعينيات من القرن العشرين، بدأت حرب هوجاء ضد المناطق التي يسكنها كل من يتحدث اللغة الكوردية(في الحقيقة لم يكن النظام البعثي والعروبي يفرق بين كوردي مسلم او كوردي ايزيدي، فجميعهم بالنسبة لفكرهم اعداء يجب حصرهم والتعامل معهم بنفس الوحشية والتهميش). هدمت قرانا وشبابنا اصبحوا يتنقلون بين المقصلة والسجن المؤبد، ومن فر بجلده خارج حدود العراق ليكون معارضا" طامحا" بدولة كوردية طالما حلم بها الجميع بلا دين ولا مذهب ولا قومية، فالجميع في كوردستان حسب مفهومهم وفلسفتهم سينعمون بنفس الحقوق والواجبات والكوردياتي ككُنية، ليست اصطلاحا" ولا استشهاد، بل ان الفرد يكنى بدولته بين الامم كأن نقول(عراقي، مصري، سعودي، تركي، ايراني) وكذلك لابد ان يكون هناك كوردي يكنى بدولته كودرستان.
مارست الانظمة الشمولية ابشع انواع التعريب والاكراه بحق الكورد عامة سواء الايزيدية او المسلمين منهم بمختلف مذاهبهم، لدرجة ان الكوردي اصبح يصدق الاكاذيب والحشوة الذي تم حشره بها من قبل تلك الانظمة والثقافات، فاصبح الكوردي محتلا" ليس فقط من ارضه بل ثقافيا ايضا، وهذه الاخيرة تعتبر من اخطر انواع الاحتلال ضد المجتمعات، فتحرير الارض يكون بالتضحية والدفاع ولكن تحرير العقول من الاحتلال يحتاج الى اجيال وجهد جبار حتى يعود الفرد الى رشده ويفرق بين الذات وما تم برمجته به من قبل اعدائه.
في نهاية الحكم البعثي في مناطقنا تم حظر اللغة الكوردية وجميع نشاطاتهم باللغة الكوردية وهناك العديد من العوائل الذين اسقطت عنهم حق التملك رغم انهم كانوا يعيشون في العراق الا ان النظام اصدر قرار بانه لا يحق للكوردي ان يملك (سيارة على سبيل المثال) وغير ذلك.
لم يتوقف الامر عند منع اللغة بل انه وفي الفترة الاخيرة تم اصدار قرار تم تعميمه على دوائر النفوس بموجبه تم حصر اسماء الولادات الجديدة بالاسماء العربية حصرا"، اي ان المواطن الايزدي والكوردي لا يستطيع ان يسمي اولاده باسماء كوردية ولابد ان يختار اسما" عربيا"، وهلم جرا من المحاربة والتعريب وزرع الثقافات الغريبة والدخيلة في النفوس والاشخاص حتى اصبحت عادة عند البعض ان يكون عربيا" رغم انه لا يجيد اربعة كلمات عربية.
بعد سقوط النظام في العام 2003 تنفس الناس الصعداء واستقبل الناس المحررين بالزهور والأهازيج، ولكن سرعان ما تغيرت الاحوال بعد فترة وجيزة من الحرية والاقتراب من الحلم المنشود. اذ ان الثقافات الشمولية لم تكن لتسمح ان يمر كل هذا مرور الكرام، بعد سقوط الطاغية، وكون شنكال كانت بعيدة عن الحراك السياسي والخبث الدفين، تمت مهاجمتها باحزاب وحركات جديدة وتحت مسميات مختلفة تم اطلاق فايروس ليدخل جسم الايزيدية والشنكاليين بصورة خاصة ويتمكنوا منهم. حيث انه وخلال فترة وجيزة تم الاعلان عن اكثر من حزب وحركة، وهذا بحد ذاته ليس بالامر السيئ لكن ان يتم من خلال هذه الحركات استغلال الشارع وزرع الشقاق والنفاق لمصالح شخصية بعيدة كل البعد عن المجتمع وجوهر الوجود والمصير المشترك، فهذه هي المشكلة الكبرى.
حتى وجود هذه الحركات لم يكن الايزيدي يفكر في قوميته ولم تكن له مشكلة مع قوميته الكوردية لانه اساس الكوردياتي وكل المحاربات بحقه كانت بسبب انتمائه الطبيعي لكوردياتيته. الا ان الحركات الجديدة وجدت لنفسها البيئة الخصبة لاستحداث قومية جديدة واستغلالها والعزف على اوتار الدين والعاطفة والجهل المتعمد الذي نجحت لحد الان في زرعها بين الناس والصاق كل تهمة بهالة من الاكاذيب والادلة التي لا اساس لها.
بعد سقوط شنكال وابادة الايزيدية في الـ 03-08-2014 على يد داعش وظهور العديد من تجار القضية الايزيدية، اصبحت الساحة مفتوحة للانتقامات السياسية والحزبية وحتى الشخصية، اذ ان القضية الايزيدية تحولت من قضية مجتمع مباد الى قضية شخصية منظماتية وحزبية، فكانت النتيجة مقابر جماعية وتشرد للايزيدية وقضية لتجار الازمات ومنظمات واشخاص ارتقوا على انين السبايا وعوز الناس.
لم تكتفِ الفئة الجديدة بالارتقاء المادي فبحثت عن باب تدخل منه الى الساحة السياسية، ولكونهم لازالوا صغاراً في السياسة بنوا امجادهم على مخلفات من سبقهم في استغلال القومية ومحاولة استحداث قومية جديدة للايزيدية رغم ان الايزيدية يحتاجون كل شيئ الا القومية، فالاخيرة لا تطعم جائعا" ولا تحرر مختطفة ولا تحرر قرية، بل تزيد من الوعكة السياسية والهوة بين المجتمع الايزيدي والكوردي، والطبقات السياسية الجيدة للاسف لا تراعي اي حدود ولا تفهم شيئ من المعادلة المصيرية التي تنتظر الايزيدية.
كنتيجة نهائية نصل الى حقيقة وهي ان القومية الكوردية هي كنية عن الدولة كما هي كنية عن المجتمع. وكما اسلفت فالشخص يتبع كنيته وهذه ليست مصطلحات جديدة وانما البعض يحاول ان يخلط الاوراق ويبحث عن قوميات جديدة ليس لاجل الناس والمجتمع بل لاجل نفسه ومنافع سواء كانت شخصية او سياسية او خدمة لاجندات دخيلة على الدولة والمجتمع. الانتماء الكوردي او الكنية الكوردية هو انتماء للوطن والارض قبل ان يكون انتماء سياسيا" او دينيا" او مذهبيا".
