حول مشروع التسوية التاريخية العراقية
لا يختلف اثنان حول الوضع المتردي للشرق الأوسط الذي يتهاوى نتيجة النزاعات القائمة والحروب الدامية التي تزداد حدة وهمجية بسبب الأخطاء القاتلة في رسم حدود دول المنطقة وتفكك الروابط الوطنية لصالح دول الطوائف والقوى السياسية العنصرية والدينية المتخلفة من جهة، ومشاريع القوى الإقليمية المهيمنة وصراع المصالح القائم على قدم وساق من جهة أخرى، بالإضافة الى التدخلات الدولية لصالح هذا الطرف او ذاك انطلاقا من اجنداتها الخاصة بالمنطقة وإعادة توزيع مناطق النفوذ والسيطرة فيها.
في هذه الأجواء المضطربة والحروب المستعرة ومع غياب الإرادة الوطنية المستقلة لدى مراكز القرار للتصالح مع الذات وإيجاد الحلول الواقعية للمشاكل القطرية فإن أي مشروع للسلام والاستقرار، بناء على احترام الاخر وحقوقه، يبدوا في احسن الأحوال مجرد تمنيات طيبة منفصلة عن الواقع المؤلم الذي تعيشه شعوب المنطقة، ومن هنا فان تمسك مكونات المنطقة الاثنية والدينية بحقوقها والدفاع عن النفس ضد المخاطر التي تتعرض لها يصبح حقا مشروعا وعادلا يتفق تماما مع ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة ولائحة حقوق الانسان وكل القرارات الصادرة عن المجتمع الدولي بخصوص حقوق الانسان كالحق في الدفاع عن النفس والتمتع بالأمن والسلام وضمان الكرامة الإنسانية، خاصة مع الفشل الذريع والمخجل للنظام السياسي الشرق اوسطي في ضمان هذه الحقوق واحترامها خلال المائة عاما الأخيرة ابتداء من نهاية الحرب العالمية الأولى والحدود المجحفة التي رسمتها القوى المنتصرة بما فيها اصطناع دول لم يكن لها وجود أصلا تم تشكيلها من مكونات دينية واثنية مختلفة، ان لم تكن متعارضة، لتبقى مشاريع قابلة للانفجار والبلقنة في أي وقت، وهو ما يحدث الان من صراع دموي والمرشح للاستمرار والتوسع ولشموله مناطق ودول تعتقد انها بمنأى عن التسونامي الذي يجتاح المنطقة.
في مثل هكذا ظروف عصيبة وأوضاع ملتهبة، وبقدر تعلق الامر بالعراق الحالي، فإن أي تسوية تاريخية كما يقال لن يكتب لها النجاح مالم تأخذ بنظر الاعتبار وجود ثلاث مكونات أساسية لم يعد من الممكن ان تعيش معا مع تجذر الانقسام المجتمعي وإلغاء الهوية الوطنية الجامعة لصالح الهوية الطائفية والعنصرية وتكريس الدولة الدينية وما نتج عن كل هذا من مآسي عاشها العراق منذ سقوط النظام الدكتاتوري وحتى الان.
ان أي تصور لعراق موحد سيما بعد الانتهاء من خطر الإرهاب الذي يهدد الجميع، يبدو غير واقعي بعد ان وصل الانقسام والتشرذم الى اقصى حالاته، ولم يعد ممكنا بناء أي جسور للثقة بين المكونات لضمان سير عملية ما يسمى بالتسوية التاريخية بشكل منتج وصحيح، ومالم تكن مراكز القرار في بغداد وقيادة الأحزاب الطائفية المتنفذة، كالنعامة التي تخفي رأسها في الرمال خشية العاصفة، فمن المفروض أساسا ان يتم بناء وطرح مشروع التسوية التاريخية على مبدأ التقسيم الودي ومن ثم البحث في السبل والبدائل العملية الممكنة لتعاون هذه المكونات مستقبلا بسبب تداخل مصالحها ومستلزمات الجيرة الحسنة.
ان أي وحدة مصطنعة، حتى مع وجود العقب الحديدية، لن يكتب لها النجاح، وكل البوادر والمقدمات تشير الى انها تتهاوى بسرعة كما يتهاوى الشرق الأوسط برمته دون وجود أي ضوء في نهاية النفق المظلم على المدى القريب.
sbamarni14@outlook.com
