كوردستان ارض المحاربين الاشداء
منذ فجر التأريخ سكن الانسان سلسلة جبال زاغروس وبنى أولى المستوطنات البشرية التي عثر عليها في كهوف شانَدَر وزرزي وهَزارميرد واختلطت فيما بعد بالوافدين الجدد من الهندو أوربيين لترسم بمجموعها الملامح الأساسية للشعوب التي تسكن المنطقة الممتدة من حدود الهند الى سواحل البحر الأبيض المتوسط ومن بينها الشعب الكوردي الذي وصفه المؤرخ اليوناني في حدود القرن الرابع قبل الميلاد بالمحاربين الاشداء سكان الجبال الكوردوخيين، هذا الشعب اسوة بشعوب المنطقة واقوامها اقام امارات وممالك ودول وامبراطوريات دخلت التاريخ كالإمبراطورية الميتانية والعيلامية والميدية التي أصبحت جزءاً من تراث وتأريخ وروح المنطقة بالإضافة للعديد من الممالك والامارات المستقلة او شبه المستقلة في العهد الإسلامي حتى أتت اتفاقية سايكس بيكو السرية بين فرنسا وانكلترا وروسيا القيصرية التي لم تقف فقط في وجه طموحات شعب كوردستان وانما قسمت بلاده بين اربع دول تفننت منفردة ومجتمعة طيلة قرن من الزمان لحرمان الكورد من حقوقهم المشروعة وازالتهم من ذاكرة المنطقة.
حقا انتهت اتفاقية سايكس بيكو على الأرض قبل ان تدفن نهائيا ويدفن معها مائة عام من الظلم والعدوان وحروب الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان، فقد تمزقت ثلاثة ارباع هذه الخارطة المشؤومة ولم يبقَ منها الا أجزاء مهترئة يبدو انها ستنتهي قريبا وفق المعطيات والظروف التي تمر بها المنطقة والتدخلات الدولية المباشرة فيها، والشعب الكوردي الذي اكدت معاهدة سيفر 1920 ( المواد 62و63و64) على حقه في إقامة دولته الحرة تعرض بسبب اتفاقية سايكس بيكو التي بقيت تعمل تحت الستار الى التنكر لحقوقه المشروعة من قبل الموقعين على اتفاقية لوزان 1923 التي تبرأ منها عمدة لوزان في تسعينات القرن الماضي وكانت السبب في كل الماسي المروعة وحمامات الدم التي عاشها شعب كوردستان واجبرته على الانتفاضة والثورة خاصة والدول الأربع التي تقاسمت كوردستان قمعت بمزيد من الوحشية والسادية حركة التحرر الوطني الكوردي، كما اشتركت في سحق كل الثورات الكوردية ابتداء من ثورة الشيخ محمود الحفيد 1919 وثورة الشيخ سعيد بيران 1925 وثورة بارزان الأولى بقيادة الشيخ احمد 1930 وثورة الشيخ السيد رضا 1937 وبارزان الثانية 1943 وجمهورية كوردستان في مهاباد 1946 مرورا بثورة ايلول بقيادة مصطفى البارزاني 1961 و1974 والثورة العراقية بقيادة جلال الطالباني 1976 وثورة كولان 1976بقيادة مسعود البارزاني بالإضافة الى الثورة المستمرة في شمال كوردستان وشرقها اعتبارا من عام 1980 وحتى الان مع فترات جزر ومد، وهو غيض من فيض الثورات والمقاومة الباسلة المستمرة من اجل الحرية وحقوق الانسان، هذه الحقوق التي نصت عليها المواثيق والقرارات الدولية ذات الشأن والتي تناست او تجاهلت على مدى القرن الماضي حقوق شعب كوردستان وحقه في تقرير مصيره بنفسه ولعل اهم هذه القرارات هي لائحة الحقوق الدولية التي من ضمنها الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في كانون الأول/1948 والذي يؤكد في ديباجته على ( الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الاسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم) وفي فقرة أخرى (ان تناسي حقوق الانسان وازدراؤها قد افضيا الى اعمال همجية اذت الضمير الإنساني) فكم هي الاعمال الهمجية التي اذت الضمير الإنساني في حروب الإبادة الجماعية ضد الكورد وأين هو هذا الضمير.
اما وثيقة العهد الدولي الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية الصادرة في مارس/1976 فقد اكدت في المادة الأولى منها على (الاعتراف بحق جميع الشعوب في تقرير المصير بما في ذلك الحق في تحديد مركزها السياسي بحرية) وأيضا (تتعهد كل دولة طرف في هذا العهد باحترام الحقوق المعترف بها فيه) فاين هذا من حق شعب كوردستان في تقرير مصيره بنفسه؟ وأين هو تعهد الدول المحتلة لكوردستان بالوفاء بتعهدهم؟ ام ان الموضوع هو حبر على الورق لا أكثر.
أخيرا لا اخرا الميثاق العربي لحقوق الانسان الذي ينص أيضا على ان (للشعوب كافة الحق في تقرير مصيرها والسيطرة على ثرواتها ومواردها ولها الحق في ان تقرر بحرية اختيار نمط نظامها السياسي ..... الخ) كما يؤكد في الفقرة الرابعة من نفس المادة على ان (للشعوب كافة الحق في مقاومة الاحتلال الأجنبي) فهل تجرؤ الدول العربية وفي مقدمتها العراق وسوريا على الاعتراف بحق شعب كوردستان في تقرير مصيره بنفسه، ناهيك عن تأييد نضاله الوطني في مقاومة الاحتلال الأجنبي؟
لقد قامت قيامة أعداء شعب كوردستان بمجرد الإعلان عن إمكانية اجراء استفتاء والرجوع الى رأي الشعب في تحديد علاقته مع الدولة الاتحادية العراقية وسخرت العديد من القنوات الإعلامية الطائفية والقومجية المزيفة جل طاقاتها ضد إرادة الشعب الكوردي وقيادته التي تمارس تقليدا ديموقراطيا لمعرفة رأي المواطن خاصة، والدولة العراقية لم تقدم أي سبب منطقي لإقناع الكورد بالعيش المشترك والاتحاد الاختياري، فكل سياساتها منذ سقوط النظام الدكتاتوري كانت ولا تزال تدور في فلك الفكر الاستعماري الاستيطاني بكل ما يحمله هذا النهج من نتائج كارثية فيما لو قدر له النجاح بدعم إقليمي يعتبر العراق ضيعة من ضياعه.
امام العالم المتحضر طريق واحد لا غير وهو الالتزام بما تعهد به في لائحة الحقوق الدولية والا فانه سيفقد مصداقيته وتحضره وسيجر العالم الى انتكاسة خطيرة في الثقة بالمستقبل وبالمجتمع الدولي كما هو الامر بالنسبة للدول العربية الموقعة على الميثاق العربي لحقوق الانسان، فإما الاعتراف بحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه واختيار النظام الذي يريده وبناء جسور الصداقة والثقة والتعاون المثمر، واما خسارة صداقة هذا الشعب الابي المحب للحرية الذي وصفه زينفون بالمحاربين الاشداء.
