• Thursday, 05 February 2026
logo

حل مسألة رئاسة الاقليم يكون بالاستفتاء...د.محمد محسن

حل مسألة رئاسة الاقليم يكون بالاستفتاء...د.محمد محسن
منذ 20 أب الماضي و موضوع رئاسة أقليم كوردستان يشغل شعب كوردستان و جميع الأوساط السياسية المهتمة بكل ما يجري في الشرق الأوسط. حيث في هذا التاريخ انتهت مدة السنتين للسيد مسعود بارزاني الذي يشغل منصب رئيس اقليم كوردستان منذ عام 2005 حيث أنتُخب من قبل برلمان الاقليم و أعيد انتخابه لولاية ثانية في 2009 ولكن من قبل الشعب مباشرة ثم وفي العام 2013 تم التمديد له من قبل البرلمان لسنتين إضافتين وذلك بموجب القانون رقم 19 لسنة 2013.

إن ما يدعو إلى الطمأنينة هو أن جميع الأطراف الكوردستانية قبلت مبدأ الحوار والنقاش ولكن اليوم وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من المفاوضات و بعد كثير من الاجتماعات الثنائية و الرباعية و الخماسية يبدو أن فرص إيجاد مخرج لهذه الأزمة باتت صعبة نوعا ما خاصة بعد أخر مشروع تقدمت به الأطراف الأربعة التي تقترح حلول بشروط تكاد تكون أحيانا غير واقعية. كما أن الرد الذي طرحه البارتي لم يكن على مستوى أودرجة يؤدي إلى حل الأزمة لأنه لم يأت بشيء جديد يمكن التعويل عليه حول ما يتعلق بالتحديد بآلية الانتخاب و صلاحيات الرئيس.
الخلاف في الأصل ليس على شخص الرئيس مسعود بارزاني، على الاقل على حد قول البارتي، و إنما على طريقة انتخاب الرئيس وصلاحياته وهذا ما تمحور حوله أخر مُقترح للأطراف الأربعة وهو إما انتخاب الرئيس من قبل البرلمان بصلاحيات واسعة أو انتخابه من قبل الشعب مباشرة بصلاحيات محدودة أوضيقة. في الحقيقة لا نريد أن نقول بأنه مقترح غريب ولكن يمكننا القول بأنه غير متعارف عليه إلا نادرا وفي ظل ظروف أفضل بكثير من الظروف التي يمرُ بها اقليم كوردستان والمنطقة. فمن المنطق أنه عندما يُنتخب الرئيس من قبل الشعب أن تكون صلاحياته واسعة وذلك لأن شرعيته جاءت من قبل الشعب مباشرة أما عندما يُنتخب من قبل البرلمان فمن الطبيعي ومن المنطقي أن تكون صلاحيته مقيدة وأقل من صلاحيات البرلمان لأن هذا الأخير هو الذي اختاره للمنصب فكيف يستوي أن يعطيه صلاحيات أكبر من صلاحياته.
إن أعلى درجات الديموقراطية أن يقوم الشعب بنفسه بانتقاء ممثليه وهذا ما يحدث اثناء انتخاب اعضاء البرلمان فما بال المرء إذا تعلق الموضوع بانتخاب رئيس الاقليم الذي يُفترض أن يمثل الاقليم وشعبه في الداخل و الخارج وخاصة في هذه الأوضاع الحرجة و المرحلة الحساسة التي يمر بها الاقليم وعموم أجزاء كوردستان الكبرى والشرق الأوسط لا بل حتى العالم أجمع.
إن انتخاب رئيس الاقليم من قبل الشعب مباشرة يُكرس إحدى الدعائم الكُبرى لجهة ممارسة الديموقراطية حيث أنها تمنح المواطن الحق مرتين في التعبير عن رأيه فيما يخص القضايا الهامة و المصيرية و المثال على ذلك هو بسيط: إذا افترضنا أن الشعب خلال الانتخابات التشريعية اختار أحد الاحزاب ليكون الكتلة الاكبر في البرلمان وبالتالي سوف تقوم هذه الكتلة بتشكيل الحكومة ولنفرض، وهذا ما يحدث غالبا، بعد فترة من الزمن أن هذه الحكومة لم تقم بتنفيذ وعودها و لم يلتزم البرلمانيون بوعودهم ولم تحاسب الأغلبية في البرلمان هذه الحكومة على التقصير باعتبار أن الحكومة غالبية أعضائها هم من الكتلة الأكبر، هنا السؤال كيف يمكن تعديل المسار؟ كيف يمكن كبح سيطرة حزب ما على جميع مفاصل الحياة وذلك فقط لأنه فاز في الانتخابات؟ في هذه الحالة تأتي أهمية أن يمارس الشعب حقه في انتخاب شخص أخر قد يكون ضمان إضافي لحماية مصالحه وذلك في حال خذلانه من قبل حزب ما أو كتلة برلمانية ما. لذلك من الأفضل أن نمنح الشعب فرصة أخرى للتعبير عن رأيه بانتخاب رئيس الاقليم مباشرة وبصلاحيات غير مقيدة وغير مطلقة في آن واحد وذلك ليقوم بممارسة دوره في الدفاع عن مصالح الشعب دون ولاية أو رقابة معطلة من قبل البرلمان. والمعروف أن البرلمان لا يعبر دائما عن وجهة نظر الشعب كله حيث تحت قبته تحدث التنازلات والمفاوضات في سبيل المصالح والمكاسب الحزبية بالدرجة الأولى. فكثير من الأشخاص لا يثقون كثيرا بممثليهم في البرلمان لكن المنافسة الانتخابية بين الأحزاب هي التي تدفعهم للتصويت لهذا العضو أو ذاك وذلك لكسب أكبر عدد ممكن من المقاعد لصالح الحزب، أما في حالة انتخاب رئيس الاقليم أو الجمهورية فالوضع يختلف وخاصة إذا كان الانتخاب على جولتين فهناك فرصة أكبر لكل الشعب للتعبير عن رأيه مرة أخرى وقد تكون فرصة كبيرة أمام الأحزاب الصغيرة لتتحد وتدعم مرشحا من بينها وذلك لمنع سيطرة أي حزب كبيرعلى كل المناصب الأمر الذي يحدث داخل البرلمان عادة وذلك بسبب فوز حزب ما بأغلبية المقاعد حيث يستحوذ على منصب رئيس الوزراء ورئيس البرلمان و رئيس الاقليم.
فمن هذا المنطلق ولكي يتم بناء نظام قوي ومؤسساتي لمستقبل كوردستان وأنه من المصلحة العليا للاقليم أن يتم انتخاب رئيس الاقليم من قبل الشعب مباشرة وذلك لإعطاء الشعب فرصة أخرى للتعبير عن رأيه ويجب أن تكون صلاحيات الريئس واسعة في هذه الحالة حيث لا يُعقل أن يشاور الرئيس ويستأذن البرلمان في كل شاردة وواردة و خاصة عندما يتعلق الأمر بمسائل هامة تحتاج الى قرارات سريعة فالعودة إلى البرلمان يجب أن تكون في مسائل محدود جدا وفعلا مؤثرة في مصير الاقليم وشعبه. أضف إلى ذلك كله، إن ظروف الحرب ضد الارهاب التي لاندري متى تنتهي والتنسيق والتواصل مع أطراف خارجية لاعبة ومهمة في الشرق الأوسط ومستقبله تستدعي أن يمثل الاقليم في هذه المرحلة رئيس بصلاحيات واسعة وبوحدة صف تُطمئن الكورد بالدرجة الأولى و ترهب العدو ولا تُشتت الصديق الذي ينوي المساعدة ولكن لا يدري أحيانا لمن وكيف.
بعد هذا كله وبما أن هذا الموضوع وخاصة فيما يتعلق بآلية انتخاب رئيس الاقليم مازال محل خلاف فلابد من البحث عن حل للخروج من هذه الأزمة وهذا الحل يكاد كون بسيط جدا ويتلخص بالفكرة التالية: فبما أن جميع الأحزاب تقول أننا نعمل من أجل كوردستان ولمصلحة شعب كوردستان فلتتفق إذاً جميع الأطراف على خطوة جريئة جداً تتلخص بالرجوع إلى الشعب للبت في هذا الأمر وليقل هذا الشعب كلمته النهائية وليقم الاعلام بدوره بتسليط الضوء على هذه الفكرة بما أنه هو أيضا يعتبر نفسه عين الشعب وصوته والناطق باسمه وليأخذ الموضوع نصيبه من النقاش ولتقم مراكز الدراسات ومنظمات المجمتع المدني الصامتة حتى الأن بدورها عسى أن يلقى هذا الاقتراح قبولا وتنتهي هذه الأزمة.
إن ما نقترحه وخاصة في ظل غياب دستور مؤقت أو دائم للاقليم هوإجراء قانوني وديموقراطي ويتخلص باجراء استفتاء عام حول آلية انتخاب الرئيس وصلاحياته ودعوة الشعب للتعبير عن رأيه وذلك بسؤاله: هل يُريد أن ينتخب رئيسه بنفسه أم عن طريق ممثليه في البرلمان ولدورتين فقط أم أكثر وماهو نوع الصلاحيات التي يُريد أن يمنحها لهذا الرئيس. وهذا الاستفتاء من شأنه إذا تم أن يُعزز من أهمية ودور الشعب باعتباره مصدر السلطات ويضعه في موضع المسؤولية حيث يكون هو صاحب القرار ولا يمكن لأي جهة أن تعترض على موضوع الاستفتاء تحت أي ذريعة كانت لأن هذا الاجراء بالنهاية هو من حق الشعب وإلا سوف تُتهم هذه الجهة المُعرقلة له بأنها تُريد مصادرة حق الشعب في التعبير عن إرادته. كما أنه لا يُعقل في ظل هذه المرحلة الحساسة جدا أن يُترك موضوع بهذه الأهمية، كل هذه الفترة، فقط بيد مجموعة من الأحزاب ظاهر الحال يدلُ على أنها تبحث عن مكاسب حزبية ضيقة.

*دكتوراه في القانون الدستوري من فرنسا


Top