• Thursday, 05 February 2026
logo

البيشمركة.. سمو الاخلاق و رقة القلب.....جواد كاظم

البيشمركة.. سمو الاخلاق و رقة القلب.....جواد كاظم
المتصفح لتأريخ الشعب الكوردي والثورات التي اندلعت على ارض كوردستان المعطاء، للخلاص من العبودية والاستبداد، يصل الى تلك الحقيقة الدامغة ان هذا الشعب الشجاع والمسالم، لم ولن يشن حربا او تجاوزا على اراضي الشعوب التي تتعايش بجواره او معه في اطار دولة واحدة خلال تاريخه المليء بالبطولات والمفاخر، بل كان دوما يدافع عن وجوده كشعب حي ويناضل من اجل الحرية والخلاص من الاستبداد والقهر والاضطهاد الذي تعرض لهما على مر الدهر والزمان.
في جميع الحروب المفروضة على شعبنا وثوراته القديمة والحديثة من اجل نيل حقوقه، كان القادة الكورد بمثابة معلمي اخلاق قبل ان يكونوا قادة عسكريين لقواتهم للالتزام بالجانب الانساني، والامر الاخر هو ان جل هؤلاء القادة العظام كانوا يسعون دائما الى تجنب وقوع الحروب وحل القضايا والخلافات بشكل سلمي وعدم اتخاذ الاقتتال كوسيلة وحيدة للنيل من الطرف الاخر.
كثيرا ما سمعنا عن الحالات العاطفية والشعور الانساني العالي والضمير الحي اثناء الحروب، و شاهدنا العديد من الافلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي تجسد مشاهد و صورا رائعة من الاخلاق حين القتال بين الجيوش والاطراف المتقاتلة، ولكن عند المقاتل الكوردي (البيشمركة) الحالة تختلف تماما.
البارزاني الخالد رمز الحركة التحررية الكوردية كان يعتقد بل يؤمن ايمانا راسخا بان الحوار والتفاهم والسلام هو السبيل الوحيد لديمومة الحياة والتعايش الاخوي مع الشعوب التي قدر للكورد التعايش معها على هذه الارض، ولهذا كان خيار الحرب لديه اخر الخيارات، طالما بقى بصيص من الامل او فرصة اخيرة لتجنب القتال وحل القضايا عبر الحوار والتفاوض، ولذلك كان جادا بالتحاور والتفاوض الى اللحظات الاخيرة، كي لا يعرض شعبه والطرف الاخر للأقتتال والحرب المدمرة التي تحرق الاخضر واليابس والتي تخلف وراءها القتل والدمار للأنسانية.
خلال سني الكفاح المسلح للشعب الكوردي من اجل نيل حقوقه المشروعة والعادلة عبر الثورات والانتفاضات المختلفة في اجزاء كوردستان الاربعة، كانت ومازالت القيادات الكوردية بأجمعها ولاسيما البارزاني الخالد تؤكد دوما على الالتزام بالاخلاق العالية والقيم الراقية والمبادئ الانسانية اثناء الحرب وخاصة في التعامل مع الاسرى، رافضين الوجه المدمروالمقزز للحرب المتمثل بمبدأ الانتقام والحقد والكراهية.
احدى تلك الصور الرائعة لتلك المبادئ الانسانية تجسدت اثناء انتفاضة الشعب الكوردي في ربيع عام 1991 عندما انتفض الشعب بوجه النظام الدكتاتوري الصدامي المجرم الذي ارتكب جرائم الابادة البشرية ضد ابناء شعبنا من الانفالات واستخدام الاسلحة الكيمياوية والجرثومية المحرمة دوليا فضلا عن حرق 4500 قرية ناهيك عن المزارع وردم عيون المياه بالكونكريت واتباع سياسة الارض المحروقة بكل اساليبها واشكالها البشعة واللاانسانية كي يقضي تماما على عناصر الحياة في كوردستان.
في تلك الانتفاضة وقع المئات من جنود وضباط الجيش العراقي اسرى بيد قوات البيشمركة البطلة والشعب المنتقض ولكنهم عوملوا معاملة انسانية قل نظيرها في تاريخ الحروب ، وبسبب الاوضاع الطارئة انذاك وعدم وجود معسكرات خاصة بالاسرى، وزع الجنود والضباط الاسرى بين احياء المناطق السكنية في كل مدن وقصبات كوردستان، حيث كان الاهالي يقتسمون معهم لقمة العيش التي كانوا يحصلون عليها بصعوبة بالغة ويفترشون لهم بيوتهم ومضايفهم ليلا وحراستهم من قبل قوات البيشمركة للحفاظ على سلامتهم عملا بالمبادئ الانسانية التي ورثوها من اجدادهم وقياداتهم العظام.
قبل ايام واثناءؤهجوم قوات البيشمركة على مواضع الدواعش في قرى جنوب كركوك لتحريرها من براثن الدواعش المجرمين، حدثت حالة انسانية اخرى قل نظيرها عُرضت من خلال شاشات التلفازؤعندما قتل عدد من الدواعش كان احدهم يحمل رشاشتين ورمانتين يدويتين مصابا مرميا على الارض ولكنه مازال حيا يحرك اطرافه ويديه طالبا المساعدة ، حيث هرع اليه المقدم المتقاعد البيشمركة بيستون كلوراني والذي حمل السلاح ثانية عندما تعرضت ارض كوردستان لهجمات الدواعش كي يدافع عن ارضه وشعبه رغم انه احيل الى التقاعد قبل سنوات ، حيث اقترب هذا البطل من المصاب وهو يكلمه بلطف ، كأنه يتكلم مع احد مقاتلي البيشمركة المصابين ، هذا البطل الرؤوف اخرج زمزمية مائه وقدم مالديه من ماء ليرتوي الداعشي كي لايموت عطشانا، كما طلب المصاب ان يقيه من حرارة الشمس اللاهبة وهو يتلفظ انفاسه الاخيرة اذ قام المقاتل بيستون بمسك جفتيه فوق راس الداعشي كي لاتؤذيه حرارة الشمس وهو يفارق الحياة، وذلك اراحة لضميره الحي حتى مع اشرس عدو لايفقه الرحمة والرأفة ولا يفهم للانسانية معنى ، وكأنما يعالج احد رفاقه و ليس عدوا كان يقاتله قبل بضع دقائق وكان يردد باكيا من خلال المشهد التلفزيوني، للاسف لم يكن باستطاعتي ان انقذ حياته.
نعم هذه مدرسة الكوردايه تي وهؤلاء تلاميذها وهذا نهج البارزاني الخالد وهؤلاء هم السائرون على نهجه، تحية والف تحية للبيشمركة البطل بيستون وكل المقاتلين الشجعان المرابضين على خطوط النار في جبهات الحق، الذين قدموا دروسا في التضحية والفداء والاخلاق العالية.
Top