كاريزمة الرئيس بارزاني بين التقدير والإجحاف......شفان ابراهيم
الوضع العام لكوردستان بين الأمس واليوم
كي لا نبتعد كثيرا, سنبدأ من 9-11/9/1961 تاريخ الاندلاع الفعلي لأم الثورات الكوردية, وبداية لكتابة تاريخ جديد للشعب الكوردي, وبث مفاهيم الوعي القومي, والأفكار الديمقراطية بين أوساط الشعب الكوردي, على الرغم من أن الظروف لم تكن مواتية مطلقاً ولم تتوفر الإمكانيات المادية ولا المعنوية إضافة إلى تأمر بعض الأطراف على الثورة, إلا أن الكورد استمروا بثورتهم. كانت ثورة أيلول واحدة من فرائس الحرب الباردة وضحاياها, وكان الشعب الكوردي من بين أبرز قرابينها, فلم تكن القضية الكوردية على طاولة أي طرف, إلا بما يخدم ابتزازها وكسب المغانم, بحجة أنها مسألة داخلية وليست من حق أي قوى خارجية التدخل بها, وضغطت الأطراف باتجاه عدم اعتبار القضية الكوردية قضية شعب أنكرت عليه هويته القومية وحقه في تقرير مصيره. وعلى الرغم من نكسة اذار1975, إلا أن الحقيقة غير المنسية هي أن البارزاني لم يساوم على التخلي عن كركوك وتركها خارج الحدود المرسومة للحكم الذاتي, وهو الأمر الذي لو تم لما انجرت الثورة إلى نكستها. ورفض البارزاني الخالد المساومة على كركوك يعد الإرث الأبرز الذي تركه لابنه مسعود البارزاني للدفاع عنه, وهي الحالة المستمرة حتى يومنا هذا.
يقول الرئيس مسعود بارزاني: من الدروس المركزية التي يجب أن نستفيد من تجربة ثورة أيلول وقيادة البارزاني, هو أن نحرص على وجود دائم لنا في الساحة ليحسب الآخرون حسابنا، وعلينا أن لا نظن قط أن جهة ما مستعدة للتضحية بمصلحتها في سبيلنا أو معاونتنا بدون عوض.
دبلوماسية وكاريزمة البارزاني قوة سحر الشرق الأوسط
يندر وجود منطقة جغرافية معقدة بحدودها السياسية كمنطقة الشرق الأوسط, واستحالة وجود شعب احتارت الجبال بمآسيهم وتشردهم وتشتتهم كالشعب الكوردي. لذا فالمنطقة بحاجة إلى شخصية فذّة تستطيع لملمة تناقضات المنطقة ووضعها في خدمة القضية الكوردية, والخروج من معضلة المأزق الجيوبوليتيكي بعقلية براغماتية. هذه الشخصية لابد لها أن تكون قد خاضت تجاربها السياسية عبر بوابة القضية الكوردية بشجونها ومجازرها, بخلافاتها الداخلية والتأمر الخارجي عليه. وعبر تجانس وتناغم مع المتغيرات الدولية والمستجدات الإقليمية, فيُغير القدر لمصلحة بني قومه, ويسعى للبناء لا على أنقاض وجماجم الآخرين, بل عبر رهانات: السلام, والمساواة, وحق الشعوب في تقرير مصيرها. وعلى الرغم من تأمر أقطاب الحرب الباردة على القضية الكوردية, والصراع العراقي الإيراني, وتحول كوردستان العراق إلى ساحة حرب وكوارث, مع كل هذا وذاك استطاع مسعود بارزاني أن يحافظ على ثباته في جميع نقاط قوته، فبقي يفكر كثيراً ويتكلم قليلا, وبقيت مراهناته على الشعب الكوردي وعدالة قضيته, وهو الأمر المفتقد لدى كثير من القيادات المراهنة على حسابات تقاطع مصالحها مع مصالح الدول الإقليمية, وإن كان أعداء الكورد يمتازون بسرعة تنفيذ المخططات, فالقائد البارزاني يمتاز بالصبر حتى التضحية, واجتراح البدائل المناسبة في نوعها وتوقيتها.
نجح البارزاني من تحجم التأمر الدولي على القضية الكوردية لدرجة إعلان الإدارة الأمريكية من البيت البيض أن الذي يدير السياسة الخارجية الأمريكية الآن في الشرق الأوسط هو مسعود بارزاني. بدأ البارزاني بتطبيق نظرية التحول الاجتماعي في كوردستان العراق واعتماد سياسة العفو والتعايش السلمي بين جميع المكونات, والبدء بالأعمار السكني والعمران المؤسساتي. دون أن ننسى الثقل السياسي للبارزاني في صناعة القرار المركزي للدولة الاتحادية في بغداد, ومحاولاته الحثيثة لإنقاذ العراق من حربها المستعرة منذ عقود. استطاع البارزاني تغيير قواعد اللعبة السياسية في كوردستان العراق عبر إتباع سياسة التوافق بين القوى الكوردستانية, والدخول في لعبة التوازنات الإقليمية وتشبيك القضية الكوردية بالمصالح الغربية الدائمة باسم الشعب الكوردي لا باسم أحزاب كوردية, وتوجيه بوصلة الغرب والأمريكان نحو الوجود الكوردي شعبا وقضية, وأبعاد الكورد عن شبح الحرب الطائفية بين الشيعة والسنة وحماية ارض كوردستان من تكرار جالديران جديدة, وإبعاد شبح الحرب الأهلية إلى الأبد.
اليوم كوردستان العراق في طريقها نحو الاستقلال الاقتصادي, وزيارة الرئيس بارزاني إلى البيت الأبيض واستبدال سياسة الشكوى والوقوف على مظلومية الشعب الكوردي, بسياسة العلاقات المستقبلية, وصيانة مصالح الدول الغربية والأمريكية في المنطقة, وإيجاد حلول للمعضلة العراقية, وقضية الكورد في سوريا, واعتبار الكورد أنفسهم جزء من الحل لا جزء من المشكلة, كل هذه الأمور وغيرها هي ما أوصلت كوردستان إلى مصاف أشباه الدول المستقلة, وبعد كل هذه التضحيات والانجازات, وفي هذه المرحلة المصيرية للكورد والمنطقة برمتها, يعمد البعض لتكريم الإرث السياسي والعسكري والدبلوماسي الممتد لعشرات السنين للرئيس بارزاني, وتكريم شخصيته الكاريزمية بمحاولة أبعاده عن خدمة الكورد وكوردستان.
