استراتيجية ايران لشق الصف الوطني في كوردستان...ريناس بنافي
وبينما تتواصل الحياة في الاقليم بصعوبة نظرا للظروف التي نمر بها من حرب على الارهاب والمشاكل مع الحكومة الاتحادية في بغداد نجد ان هناك من يشق طريقه بجهود خيّرة ساعيا الى الاستقرار والى مستقبل افضل، وبين من يقوم بأنواع النشاطات والجهود والتي يحاول من خلالها اعاقة المسيرة .
وفيما تتواصل المسيرة ، تنكشف حقائق جديدة عمّا جرى ويجري، وعن حقائق تستجد بفعل استمرار تغيّر ميزان القوى داخلياً وخارجياً، وعلاقة ذلك بالأعمال المحمومة التي تستهدف الاقليم والتي قد تهدد بالاستمرار والتصاعد، وتهدد باستمرار المعاناة والآلام .
وفيما يحاول البعض تحقيق استقرار سياسي وتحقيق المصالح العليا للاقليم من اعلان الدولة الى الاستقلال الاقتصادي وبناء التحالفات الاستراتيجية مع الدول العظمى ، يدفع القسم الاخر منها الى ان يكون الاقليم ساحة لتصفية الحسابات والتغطية على فشله السياسي . وتريد قوى اقليمية جعل الاقليم جبهة حرب جديدة بين الاخوة الكورد .
لذا فان على القوى الوطنية ان تنظر الى الاستقرار على انها من المطالب الأكثر الحاحاً للشعب الكوردستاني بكل اطيافه وقواه السياسية والدينية ، ومن زاوية ضمان ديمومة الاستقرار والامن، لابد للقوى الوطنية الامتثال الى التوافق الوطني والعمل المشترك لضمان الاستمرارية و المواصلة .
ان الديمقراطية لا تنحصر بإقامة حكم برلماني ووضع دستور ، بل على اساس بناء الدولة الحديثة ، وبآليات تضمن تطوير وتحسين وفاعلية المؤسسات وتفاعلها مع الشعب، بالترابط مع ايجاد الآليات الأقوى للاقليم على اساس اتحاد مكوناتها وليس تمزيقها وتفتيتها .
وهنا نؤكد على ضرورة الالتفاف حول الوطن وتفويت الفرصة على أصحاب الأجندات المكشوفة الذين يهدفون إلى جر البلاد ومكوناتها إلى معارك جانية تضرب صميم الوحدة الوطنية في مرحلة حساسة نمر بها
وهنا ندعو الجميع إلى ضرورة تحكيم العقل والاتزان وأن تتكامل الجهود الحكومية من الناحية الأمنية مع جهود المواطنين من ناحية اخرى للتصدي لأي محاولة في هذا الضرف الحساس فالمواطنون على وعي تام ويدركون جيدًا أن هناك أيادي خبيثة تريد شق الصف الوطني وضرب اللحمة الوطنية، وزعزعة الجبهة الداخلية لتحقيق أجندة مكشوفة.
أن كوردستان تمر بمرحلة حساسة، وهذا يتطلب تكاتف جميع مكونات الوطن، وألا ندع فرصة لكل مزايد لفتح ثغرة في الصف الوطني يدخل منها الأعداء لتحقيق أجنداتهم ومآربهم.
وفي الوقت الذي ندين فيه هذا العمل ، فإن أبناء المجتمع مطالبون جميعًا بالوقوف صفًا واحدًا أمام هذه الأعمال التي تهدد الوحدة الوطنية وتسعى إلى ضربها، وعدم الانجرار وراء المعارك الجانبية التي يريد الأعداء زجَّنا فيها.
إن أفضل رد على التهديدات والمؤامرات التي تحيكها الدول المحتلة لكردستان هو العمل لتسريع وتيرة النضال من اجل الوحدة الوطنية الكردية وتغليب روح المصالح العليا للكورد على المنفعة الحزبية الضيقة وتقريب وجهات النظر في مختلف المسائل التي تطرح , وهذا يتطلب اجتماع الأحزاب الكردية ومشاركة الشعب في القرارات المهمة والتي تهم الأكراد من خلال استفتاءات ومناقشات وحوارات بين الجميع دون استثناء ومراجعة شاملة لسياسة ونضال الكرد طول قرن من الزمن مضى ومعرفة مواطن الخلل فيها وإصلاحها.
وهنا أود أن أشير الى العامل الرئيسي الذي كان يعيق تقدم نضال شعبنا ، والمعوق الاساسي في عدم حصولنا على حقوقنا وتحقيق حلمنا في الدولة الكوردية
يذكر الأستاذ عصمت شريف وانلي إن عوامل إعاقة نشؤ دولة مركزية كردية يعود إلى أسباب حقيقية وعلمية وهنا ننقل جزء من كلامه حيث يقول ( إن معظم المراقبين والرحالة الغربيين الذين جابوا كوردستان خلال القرن التاسع عشر وحتى الحرب العالمية الأولى كانوا يتوقعون للأمة الكردية مستقبلا باهرا كدولة مستقلة بشرط نبذ الخلافات الداخلية والعمل على وحدة العمل الوطني ثم حدث ما حدث من خيانة دول الحلفاء للأكراد وتراجعهم عن معاهدة سيفر وإقرارهم تقسيم كوردستان في معاهدة لوزان , وكان رد الفعل الكردي على هذا الأمر حمل السلاح والثورة على الدول التي تتقاسم كوردستان
ويذكر الأستاذ عصمت شريف وانلي إن سبب فشل الحركات الكردية في القرن العشرين وما قبله هو
(1) الوضع الاجتماعي والاقتصادي للأكراد والذي لم يمكنهم من مواجهة تحديات هذا القرن
(2) انقسامات بين رؤساء العشائر وقادة الأمارات الكردية جعل البعض منهم يوالي السلطان العثماني أو شاهات إيران
(3) ضعف التنظيم العصري للثورات التي قادها علماء الدين
(4) وجود الثروات الطبيعية والنفطية في كوردستان مما أطمعت الدول الغربية فيها
(5) موقعها الجغرافي الاستراتيجي , يقول الأب ( توماس بوا ) وكان من المستشرقين الفرنسيين الذين كتبوا كثيرا عن الكرد , بان كوردستان هي العمود الفقري للشرق الأوسط ومخزن مياهه .
إن تخلي الدول الاستعمارية من تأسيس دولة كردية والتي نصت عليها معاهدة سيفر عام 1920 عندما رأت هذه الدول إن من مصلحتها تقوية العلاقة مع الحكومة التركية ومع كمال مصطفى أتاتورك .
وعندما عقد مؤتمر لوزان عام 1923 لم يحضر أي ممثل عن الشعب الكردي لطرح قضية شعبه سوى أن ممثل تركيا اصطحب معه كرديا واحدا وهو النائب عن ديار بكر (فوزي بك ) وفي المرة الثانية اصطحب معه (زلفي زاده بك ) وأعلن الاثنان
( نحن والأتراك أخوة لا توجد بيننا أية فروقات ولا نرغب بالانفصال عنهم )
وبهذا خانا شعبيهما , واستنادا إلى تصريح هذين الشخصين سارع مصطفى كمال أتاتورك إلى الإعلان أمام البرلمان التركي أن الأكراد لا يريدون دولة خاصة بهم .
في كتاب شرفنامة يقول شر فخان (عقد أمراء الكرد في عام 1513 اجتماعا واتفقوا على موقف موحد تجاه الدولة الصوفية التي كانت تضطهدهم جميعا وبعد معركة جالديران أراد السلطان العثماني سليم الأول تعين حاكم كردي لجميع كوردستان وذلك من اجل توحدها وجعلها قوية ضد الدولة الصوفية وكان هذا نقاشا بين إدريس بدليس والسلطان العثماني وفي آخر النقاش توصل إدريس البدليس والسلطان العثماني إلى إن أمراء الكرد في تناحر وعداءات مستمرة ولكل منهم قناعة بأنه أحسن من غيره ولذلك فسوف لن يقبل الامراء الكرد بالخضوع لسلطة أمير كردي ولكن قد يقبلون الطاعة لوالي عثماني غير كردي يحكمهم من ديار بكر وهذا ما دفع السلطان العثماني إلى تشكيل إمارات مستقلة أو شبه مستقلة في أمورها الداخلية ولكنها تحت إشراف والي ديار بكر
(انظر شر فخان بدليسي شرفنامة الترجمة العربية ص36)
وحتى حديثا شاهدنا قبول بعض الأحزاب بالتعاون مع الدول المحتلة لكوردستان في ضرب شقيقاتها من الأحزاب الكوردية في تلك الدول من اجل تحقيق أهداف حزبية آنية وتحقيق مكاسب شخصية هذه السياسات أجهضت الكثير من الإنجازات التي كان الكرد بصدد قطف ثمارها.
حتى إن الانشقاقات داخل الأحزاب الكردية سجلت انطباعا بان وحدة الكرد مستحيلة لأنها غير قادرة على تحقيق الوحدة داخل الأحزاب نفسها
إن طبيعة الظروف والمرحلة التي نمر بها تتطلب من الجميع التفكير الجاد في بلورة وصياغة مشروع يعزز الوحدة الكوردية اجتماعيا وسياسيا من خلال ثوابت نعمل جميعا كل من موقعه على تعزيزها وحمايتها
لذا فإننا اليوم بحاجة إلى ( أمن قومي كردي ) أكثر من أي فترة مضت فالأمن القومي الكردي ضرورة سياسية و اقتصادية واجتماعية لأنه لا يمكننا نحن الكرد التغلب على القلق الذي يساورنا منذ فترة طويلة من هذه الأنظمة الدكتاتورية ولا يمكننا العيش بأمان إلا من خلال سعينا إلى حفظ حقنا في البقاء 0
إن تكوين مفهوم الأمن القومي الكردي يحتاج إلى عوامل عديدة من أهمها توحيد الخطاب الكردي
وعندما نتأمل المشهد السياسي بكل مستوياته نكتشف إن الصراعات والنزاعات الدائمة لا تنشأ بسبب وجود الاختلاف والتنوع وإنما تنشأ من العجز عن إقامة نسق مشترك يجمع الناس ضمن دوائر ارتضوها والحوار بين الإنسان وأخيه الإنسان من النوافذ الأساسية لصناعة المشتركات التي لا تنهض حياة اجتماعية سوية بدونها وعليه فالحوار لا يدعوا المغاير والمختلف إلى مغادرة موقعه الثقافي والسياسي وإنما هو لاكتشاف المساحة المشتركة وبلورتها والانطلاق منها مجددا ومعا
فالحوار بكل مستوياته هو ضرورة لنا جميعا كي نصل إلى رؤية واقعية بعيدة عن المسبقات الفكرية أو الموافق الجاهزة
ونحن بحاجة إلى التغلب على الأهواء والنوازع الضيقة والانعتاق من كل أشكال التعصب الأعمى للذات والسعي الحثيث نحو الاقتراب من الآخر ومحاولة فهمه بشكل مباشر وذلك من اجل ان يكون الحوار داخل كوردستان هو الأصل الذي لا نحيد عنه مهما كانت النوازع ومهما كانت المشكلات التي تحول دون ذلك ، في إطار الوعي العميق بطبيعة التحديات والمخاطر التي تواجهنا
إن الوحدة بين القوى السياسية الكردية ضرورة وعليه يجب إزالة كل الشوائب والرواسب التي تضر بهذه الوحدة وهذه الوحدة ليست مقولة تقال أو خطابا يلقى وإنما هي ممارسة متواصلة ومشروع مفتوح يزيد من رص الصفوف وتوحيد الكلمة وتمتين مستوى التلاحم القومي وهذا الأمر لا يأتي إلا بالمزيد من السعي والعمل على تكريس أسس هذه الوحدة ومتطلباتها في الواقع
ولاريب أن الحوار بين مختلف التيارات والشرائح في المجتمع الكردي هو المدخل الأساسي الذي يساهم في تعزيز هذه الوحدة
إذن بالحوار نستطيع أن نفهم بعضنا ونكرس قيم التواصل والتفاهم ومن خلاله نتخطى واقع الانقسام وحالات الجفاء والتباعد
والحوار ليس موقفا تكتيكيا ومرحليا في حياة الإنسان بل هو خيار في الحياة ووسيلة للتواصل مع الآخرين يجب أن لا يدفعنا الاختلاف إلى اتهام الناس بما ليس فيهم وتحميلهم مسؤولية أخطاء الآخرين إنما ينبغي أن نلتزم بمقتضيات العدالة والموضوعية لهذا فان واجبنا جميعا هو العمل على تعميق الشعور بالمسؤولية تجاه كوردستان بحيث لا تكون التنوعات الدينية والمذهبية والفكرية والحزبية حائلا دون ذلك
والوحدة التي ندعو إليها لا تأتي عبر إلغاء الآخر وإنما عبر احترام الناس بعضهم لبعض
والوحدة لا تتبنى بثقافة الإقصاء والتهميش كما أنها لا تتحقق بالتعصب الديني أو المذهبي أو الحزبي
*باحث في الفكر السياسي والاستراتيجي/ لندن
