سياسة "النفس الطويل" مثمرة
إلاّ أن رئيس الوزراء العراقي المعتمد آنذاك من قبل الإدارة الأمريكية، السيد نوري المالكي، كان راضخاً للنفوذ الإيراني وساعياً لتنفيذ واجباته المكلّفة بها ضمن تحالفه مع طهران، ولم يكن مهتماً بإعادة الجنود الأمريكان إلى بلادهم، إلا بقدر ما يوافق البيت الأبيض على امداده بسلاح جو حديث وقادر على فرض هيمنته على عموم العراق، وبخاصة على إقليم جنوب كوردستان، الذي لا يمكن القضاء على قوات "البيشمركه" فيه من دون دعم جوي جيد، وهي قوات منظمة ومدربة ومستعدة للموت في سبيل الحفاظ على ما أنجزه الإقليم الكوردي منذ سقوط الطاغية صدام حسين من "استقلال فعلي" على ارض الواقع، وإن لم يتحوّل إلى "استقلال سياسي تام" بعد. بل استمر المالكي حتى آخر يومٍ في حكمه الفاشل على إبقاء التوتر في العلاقات مع الإقليم الكوردي، فقطع عنه ما هو حق له في الميزانية العامة حسب الدستور، ومنع عنه الأسلحة والعتاد والذخائر التي تقدمها الإدارة الأمريكية للجيش العراقي والبيشمركه، ومارس سلوكاً غير ديموقراطي حيال مختلف المسائل المتعلّقة بإقليم كوردستان والمناطق العربية السنية التي كانت تئن فعلاً من وطأة الإجراءات اللادستورية واللاديموقراطية للحكومة المركزية، وسكتت إدارة أوباما عن كل تلك التصرفات الخاطئة لاعتقادها بأن من الصعوية إيجاد بديل لنوري المالكي في تلك الظروف العراقية.
إلا أن الضربة الماحقة للسياسة الأمريكية في عهد نوري المالكي بدأت بإفساحه المجال لتمدد وانتشار تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي في مدينة الموصل، أكبر المدن العراقية في الشمال والمتاخمة للحدود السورية، حيث العمق الاستراتيجي لهذا التنظيم وسعيه الدؤوب لبناء "دولة الخلافة" التي لا تعترف بالحدود بين دول المنطقة ولا بالحكومات ولا بالنظم السياسية القائمة فيها وتنتهج نهج "الخوارج" الدموي في التعامل مع المعارضين سياسياً والمنافسين عقيدياً، والذين يعتبرون جميعاً في نظر هؤلاء الإرهابيين "كافرين" يجب حز رؤوسهم. واكتشفت الولايات المتحدة أن سياسة المالكي هي التي أدّت إلى الحالة المزرية التي نجمت عن احتلال (داعش) للموصل من دون أي مقاومة تذكر من فرقه العسكرية القاطنة هناك والمزوّدة بأحدث الأسلحة الأمريكية، بل إن (داعش) وضع يده على المصارف والإعلام والإدارات من دون أي عائق أو مانع، مما أدّى إلى استغلال ضباط الجيش العراقي المنحل وعناصر البعث لسيطرة (داعش) وقيامهم بتسخير هذا التنظيم الدموي لمحاربة الشعب الكوردي، حيث السيطرة على (هولير (أربيل) يعني الاستفراد بشمال العراق، وهذا ما سيضع في أياديهم إمكانيات عظيمة ومنها سلاح البيشمركة وخيرات كوردستان البترولية ومطارات دولية، وسيضع في أياديهم من القوة ما يكفي بها للوصول إلى الحدود الإيرانية بهدف التهديد بالهجوم عليه، وممارسة الضغوط على تركيا، العضو في حلف الناتو أيضاً، ومن ثم الدخول مع الدول الإقليمية والولايات المتحدة الأمريكية في مساومة كبيرة على مستقبل العراق والحكومة المركزية في بغداد. والبعثيون كالدواعش متفقون ضمناً وقولاً مع المالكي ومن وراءه على نسف مشروع طرح موضوع الاستقلال الكوردي على الاستفتاء الشعبي الديموقراطي الذي أثاره السيد مسعود البارزاني وأكّد على أنه ماضٍ فيه، إذ أن كل السبل للحفاظ على العراق الفيدرالي الموحد قد فشلت .
بسقوط الموصل في أيادي الإرهابيين وتمددهم قبل ذلك في سوريا، وممارستهم الأحداث الإرهابية المثيرة كحزّ رؤوس الصحافيين الأمريكان أمام عدسات التصوير، ثبت للعالم أجمع أن سياسة إدارة أوباما المترددة حيال مجريات الأحداث في كل من العراق وسوريا فاشلة ولابّد من إظهار القوة الأمريكية في المنطقة، إلاّ أن شعوب المنطقة قد فقدت ثقتها في أي حلٍ من الحلول الكلامية التي تخرج مفرداتها من البيت الأبيض، فراحت تظهر امتعاضها بأشكال مختلفة، منها التقارب مع الحركات المتطرّفة في عدائها للغرب إجمالاً، وتحث حكومات بلدانها على إظهار الاتفاق فيما يخص الانتشار الإرهابي وتعاظم التدخل الإيراني في عديدٍ من الدول، فتشكّل في النهاية ما أطلق عليه "عاصفة الحزم" لتحرير اليمن من سيطرة الحوثيين المدعومين من قبل إيران بقوة.
في تلك الأثناء، ظلت رئاسة إقليم جنوب كوردستان التي اضطررت لمواجهة الهجوم الغادر للإرهابيين بقوى ذاتية متواضعة، واستمرّت في مقاومة استفزازات الحكومة المركزية فيما يخص التعاون المحدود بين قوات البيشمركه والمليشيات غير النظامية في العراق والجيش العراقي، وكذلك فيما يخص الاتفاقيات غير المنفّذة من قبل الحكومة بصدد انتاج وبيع البترول وحصة كوردستان من الميزانية، إضافة إلى رفض الحكومة تنفيذ وتطبيق المادة 140 من الدستور العراقي بخصوص وضع مدينة كركوك الكوردية الغنية بالنفط. إلا أن تمكّن قوات البيشمركه من تحرير 95 % من أراضي جنوب كوردستان كلياً وطردها للإرهابيين من مناطق واسعة جداً في شمال العراق بدعمٍ جويٍ لقوات التحالف قد غيّر ميزان القوى على أرض الواقع وأثبت للعالم أجمع أن الشعب الكوردي مستعد دائماً للدفاع عن نفسه وعن الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان وعن مختلف الأقليات القومية والدينية، رغم كل المحاولات السلبية للحد من قدراته المادية والقتالية وتقزيم دوره السياسي على مستوى العراق من قبل الحكومة المركزية.
وفيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي غضت إدارتها "الديموقراطية" النظر عن السلوك اللاديموقراطي للحكومة المركزية في بغداد، فإن التحلي بالصبر وانتهاج سياسة "النفس الطويل" والاستمرار في الحوار والتعاون مع واشنطن قد خيّم على السياسة الخارجية لحكومة الإقليم وعلى الارشادات الواقعية والرصينة لرئاسة الإقليم، في وقتٍ بدأت تتململ بعض القيادات السياسية في المنطقة وتهرب من المعسكر الصحيح للديموقراطيين إلى معسكر العداء التام للولايات المتحدة، ولم تفقد القيادة الكوردية الحكيمة الأمل في أن تصحح إدارة أوباما سياستها الخاطئة حيال الإقليم ,وتعدل عن إغراقها في تقديم مصلحة التيار الحاكم في بغداد على مصلحة كل المكونات العراقية ومنها الكورد والسنة والأقليات الدينية المختلفة، وسيأتي اليوم الذي تشعر فيه واشنطن بأن الكورد قوة أساسية في الشرق الأوسط، من القوى المؤمنة بالقيم الإنسانية الخالدة ومحاربة في الوقت ذاته من أجلها. وقد أثبت الكورد جدارتهم في ذلك أثناء التصدي لداعش ومن وراءه في المعارك التي قدّموا فيها أكثر من 1500 شهيد نظراً لقلة ورداءة السلاح الذي في أياديهم وامتناع الحكومة المركزية في بغداد عن تزويدهم بحصتهم العادلة مما يستحقونه من سلاحٍ ومال.
وكذروةٍ لسياسة "النفس الطويل" للسيد البارزاني ومستشاريه وأعضاء وفده المحترمين إلى واشنطن، حرص الرئيس البارزاني على أن يشكر الشعب الأمريكي والإدارة الأمريكية على الدعم الذي تقدمه للشعب الكوردي، رغم أن الإقليم الكوردي ممتعض من سياسة الإهمال في واشنطن بصدده، وأكّد الرئيس البارزاني على نقطتين هامتين تحبّذ واشنطن أن يؤيدها الكورد فيهما:
- الاستمرار في سياسة الصبر حيال حكومة العبادي
- الاستمرار في تزويد الحكومة البغدادية بالبترول الكوردي
وعلى الرغم من أن أهم نقطة لدى الكورد هي الحديث مع واشنطن عن موضوع عرض الاستقلال الكوردي على استفتاء شعبي ديموقراطي في كوردستان، فإن السيد البارزاني أكّد على أن أهم نقطة متفق عليها بين واشنطن وبغداد وهولير (أربيل) هي "محاربة تنظيم الدولة الإسلامية" وطرده من العراق وتحرير الموصل لأن بقاء التنظيم في الموصل استمرارٌ لخطر الهجوم على كوردستان أيضاً.
ويجدر بالذكر أن أدنى ما كان يريد الوفد الكوردي تحقيقه هو الحصول على وثيقة خطية من واشنطن تبيّن أنها ملتزمة بإرسال حصة شعبهم من المساعدات العسكرية إلى الإقليم بشكل سريعٍ ومباشر، وهذا ما تحقق للوفد ونجح فيه، حيث وافقت الإدارة الأمريكية على ذلك تماماً، وحصل الكورد على ما كانوا يأملون الحصول عليه في تلك الزيارة.
وشعر الأمريكان حسب العديد من المقالات المنشورة للأمريكيين السياسيين والإعلاميين عن زيارة الوفد الكوردي أن السيد البارزاني قد اتسم بالصبر والتأني خلال الفترة الماضية منذ سقوط نظام صدام حسين، ولم يتوقف عن القيام بواجبه حيال استقبال مئات الألوف من اللاجئين رغم سوء الأحوال الاقتصادية في الإقليم نتيجة السياسات الخاطئة لحكومة المالكي الفاشلة، وأنه يرى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي شريكين استراتيجيين وليس لمجرّد الحصول على منافع وقتية منهما، وأنه تصرّف في زيارته الأخيرة هذه كرجل دولة تمرّس في الدبلوماسية واللعبة الدولية مثلما تمرّس في القتال منذ صباه، ويقدّر المصاعب والتحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهذا ما جعله يكسب ثقة الكثيرين من القادة السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية ويعود إلى شعبه وقد أضاف إنجازاً تاريخياً آخر إلى إنجازات الإقليم الهامة التي كان له دورٌ شخصي إلى جانب حليفه الرئيس العراقي السابق، مام جلال الطالباني الذي نتمنى له الشفاء والصحة...
وباعتقادي أن الوحدة الكوردستانية خلف هكذا قائد، وبخاصة في جنوب كوردستان، من قبل الأحزاب والمنظمات ذات الأدوار الأساسية في الحياة السياسية للإقليم، وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكوردستاني، ضرورة تاريخية من أجل تقدّم الكورد خطوةً أخرى صوب تحقيق طموحهم القومي العادل المتمثل في حياةٍ كريمة دون خوفٍ من عدوانٍ أو إرهابٍ أو سياسات قمعية امتلأ تاريخهم الحديث بها، لأنهم كانوا ضعفاء ومشتتين ومتحاربين فيما بينهم. وآمل أن لايفقد الحكماء في قياداتنا الكوردية جميعاً هذا الطريق الواقعي الصحيح ليزدادوا احتراماً لدى شعبهم الذي وضع ثقته فيهم.
