قناة الجزيرة في كوردستان، هدوء بعد عاصفة.. وصمت بعد ضجيج
ككل صباح باكر، أتوجه من بيتي في حي مفتي بمدينة اربيل، إلى فندق برج اربيل حيث يقيم وضاح خنفر مع زميله علي صبري، وذلك استعدادا ليوم تغطية جديد، قد يأخذ بنا شرقا باتجاه كركوك أو غربا باتجاه الموصل أو شمال الغرب باتجاه دهوك لتغطية تقدم قوات التحالف و معها التركية، والمتوقع نحو الموصل، حيث باتت الأخبار مؤكدة بترك القوات العراقية مواقعها الأمامية تحت هول الضربات الجوية الأمريكية أو هول وقوع صواريخها التي تصل أهدافها في العراق دون أن يعرف أحد منا من أين تأتي ومن أين تطلق! فقط ما كنا نعرفه هو أين تقع وما تأثير وقوعها، لذا كان التوقع حول ان تدخل تلك القوات لتحل محل القوات العراقية الفارة، هذا من ناحية التفكير العسكري البسيط.
أو هل سنبقى في اربيل لتغطية التطورات السريعة التي قد تعقب سقوط متوقع، معلن عنه لبغداد، بعيدا عن التفكير العسكري البسيط السابق، باعتبار عدم تطبيق ذلك المفهوم العسكري المتوقع وهو دخول قوات تحالف من تركيا إلى العراق لتحل محل القوات العراقية التاركة مواقعها في الشمال، من محافظتي نينوى وكركوك، وحصول تطورات مفاجئة من الجنوب، بل مباشرة من العاصمة بغداد.
صباح التاسع من نيسان عام ألفين وثلاثة لم يكن الحزن قد ولى بعد على وجهي الزميلين خنفر وصبري، حزن استشهاد طارق أيوب يوم أمس في بغداد، وكان مراسل وكالة يابانية قد حضر للفندق لتغطية عمل فريق وضاح خنفر في كوردستان العراق، ففي الوقت الذي كانت الجزيرة تبحث عن الحدث وتغطيه وتصبح مصدرا للكثير من اجهزة الإعلام في العالم، وكانت تقاريرها موضع نقاش إعلامي دولي بين مادح وناقد، كان هناك إعلاما تبحث عن الجزيرة وتبحث عنها، كيف تعمل وتسبق الآخرين في الوصول إلى الحدث؟
بين زمنين
كان وضاح في لقاء مع الوكالة في الوقت الذي كنا حوله نتابع شاشات التلفزة وهي تبث صور سلب ونهب مؤسسات حكومية في بغداد، الصور التي أخذت ذهن وضاح خنفر لتكون شاردة إلى بغداد مبتعدة عن اربيل وعن مراسل الوكالة، صور أحدثت خوفا من انفلات أمني رهيب قد يقع في المناطق التي ستسقط بعد بغداد، واقرب هذه المناطق لنا هي كركوك والموصل.
إذن، هي ملامح سقوط مبكر، تصدق ما ذهب إليه الصحفيون المحايدون المراقبون، وتكذب ما ذهب إليه وزير الإعلام العراقي (الصحاف )الذي هاجم في تصريحات له في بغداد، وضاح خنفر وقال للجزيرة في بغداد (أن مراسلكم في الشمال يعيش على الأوهام)! ردا على أخبار كان ينقلها وضاح، حول المناطق التي كان الجيش العراقي ينسحب منها في الشمال.
هي ساعات كانت تفرق بين مناظر النهب والسلب وعن ما كان يشبه استعراض عسكري مريح للقوات الأمريكية وسط بغداد في ساحة الفردوس، وكنا في اربيل نترقب التطورات، لم نتحرك عن اربيل، فقط التقينا ضيوفا للتعليق على ما يحدث في بغداد من تطورات.
وكان ذلك اليوم هو التاريخ الذي فصل بين زمنين.
هدوء بعد عاصفة.. وصمت بعد ضجيج
يوم السقوط، كان بالنسبة لنا ـ الصحفيون في اربيل ـ الهدوء بعد العاصفة، والصمت بعد الضجيج، ففي الوقت الذي كنا نترقب التطورات في تقدم الجيش الأمريكي من الجنوب باتجاه بغداد، وتعثره هناك، أمام مقاومة شرسة كانت تقف في طريق تقدم الجيش، والبصرة في أقصى الجنوب كانت لا تزال صامدة، أو نترقب فتح جبهة في الشمال وبالتالي توجه الجيش الأمريكي من الشمال باتجاه الموصل وكركوك لإحداث ضغط إضافي على بغداد التي كانت محاطة من الجو لا بسماء ترحمها بل تحت رحمة صواريخ وطائرات لم تكن تعرف للرحمة من معنى، وفي بعض اللحظات كانت تتحول بغداد أمام أعيننا إلى كتل من نار، لم يتم فتح جبهة قتالية في الشمال، الأمر الذي كان متوقعا، ولم تحصل مواجهات برية في الشمال، عدا ما كان يحصل من قصف جوي وصاروخي أمريكي على قطاعات الجيش العراقي الذي كان قد استعد لمواجهة هجوم بري متوقع من الشمال من الأراضي التي تقع تحت سيطرة سلطات إقليم كوردستان العراق، وكان ذلك قد أنهك قوى تلك القوات العراقية، والأمر على هذه الحال جعلنا نقتنع بأن المعركة ستطول أكثر مما كنا بعض العراقيين نتوقعه، وستصبح قناعة بعض العراقيين الآخرين ومعهم غالبية الجمهور العربي، أن السقوط إذا قدر له فستسبقه اشهرا طويلة، وفي طريق ذلك ستنهك القوة الأمريكية ومن معها من متحالفين.
قلب التوقعات رأسا على عقب
لكن مناظر السلب والنهب صباحا، والاستعراض العسكري المريح للجيش الأمريكي عصرا، وإسقاط التمثال بأيد عراقية، واختفاء الصحاف وزير الإعلام العراقي أمام عدسات التلفزيون، وانتهاء استعراضاته الصحفية، كل ذلك، أحدث انقلابا في سير ما كان ينتظر، وصمتا بعد الضجيج، وهدوءا بعد العاصفة، هدوءا مشوبا بالقلق من تطورات الأحداث والى أين ستتجه خاصة إذا علمنا انه لا تزال الأمور حتى تلك اللحظات غامضة بالنسبة لمصير الرئيس العراقي وفريق قيادته، ولعموم حزب البعث، والجيش والحرس الجمهوري وما كان يسمى بفدائيي صدام.
توجهت عدسات التلفزيون الى بغداد وركزت عليها، وابتعدت قليلا عنا نحن في اربيل، لكن الآن لا بد أن نستعد بما سيحدث من تطورات في كلتا المدينتين المهمتين القريبتين منا وهما الموصل ثاني أو ثالث اكبر المدن العراقية بعد بغداد والبصرة، المدينة التي فيها خليط عربي كوردي تركماني، إسلاميي مسيحي، مع بعض من الشيعة بين الشبك وغيرهم في ضواحي المدينة، وكركوك التي هي أيضا خليط لكن ما يميز كركوك عن الموصل هو الطلب الكوردي القديم الجديد بأنها مدينة من مدن إقليم كوردستان العراق وكثيرا ما برهن الجانب الكوردي ذلك بأدلة تاريخية وجغرافية، وتحركوا في سبيل ذلك على المعارضة العراقية في مؤتمراتها قبل الحرب الأمريكية على العراق، إذن مدينة هي هذه لابد أنها تثير الفضول الإعلامي خاصة إذا كان هناك دخولا كورديا من اربيل والسليمانية باتجاه المدينة الأمر الذي كان متوقعا، وما سيحدث من ردة أفعال باعتبار أن الجانب الكوردي ينظر إلى كركوك أنها مدينة مورست بحقها سياسة تعريب منظمة بترحيل الكورد كمواطنين أصليين هناك وإسكان عرب قدمت بهم السلطات من الجنوب، وكذلك بقطع أقضية منها وضمها إلى محافظة صلاح الدين وأخرى على محافظة السليمانية لتقليل النسبة الكوردية في المدينة مقارنة بالعرب، إضافة إلى الموقف الأمريكي الحاكم الجديد في العراق من ما سيقوم به الكورد وكذلك الموقف التركي وموقف حلفاء الكورد الجدد، من المعارضة العراقية التي ستحكم العراق بوصاية أمريكية بعد صدام حسين.
إذن، رغم الهدوء بعد العاصفة، والصمت بعد الضجيج الذي حدث بسقوط بغداد، فنحن أمام عاصفة أخرى تعقب الهدوء غير الطبيعي الذي حدث، وضجيج آخر، وسيكون مميزا عما كنا فيه في تنقلاتنا من السليمانية شرقا إلى دهوك غربا، سيكون باتجاه الموصل وكركوك، ولذلك استعدت الجزيرة حتى في الدوحة لإرسال مراسل آخر إلى منطقتنا يساعد وضاح وكان ذلك هو يوسف الشريف الذي كان يستعد للقدوم إلينا من تركيا
احمد زاویتی ...باسنیوز
