• Saturday, 07 February 2026
logo

بغداد وأربيل وبينهما «داعش»

بغداد وأربيل وبينهما «داعش»
هوشنك أوسي
تزامُن احتلال «داعش» محافظة الموصل العراقيّة، مع زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لتركيا، وبدء المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران في جنيف، ليس محض صدفة. ذلك أن الاختراق السوري - الإيراني لتنظيم «داعش» الإرهابي، لم يعد يختلف عليه اثنان. فكيف لرئيس الوزراء العراقي، والقائد العام للجيش والقوّات المسلّحة، نوري المالكي، أن يرسل الجيش والتعزيزات العسكريّة لمحاربة «داعش» في الأنبار، ويفسح المجال لها لاحتلال الموصل، عبر إصدار الأوامر لقادة الجيش والشرطة بالانسحاب وعدم مواجهتها، إلاّ إذا كان القرار قد اتخذ في طهران؟!. وعليه، أرادت طهران إرسال رسائل عدّة، عبر إفساح المجال أمام استيلاء «داعش» على الموصل، منها:
1- تحذير تركيا من خطورة الضلوع في بيع نفط كردستان، بمعزل عن بغداد - طهران، والإشارة إلى الأكلاف التي يمكن لتركيا أن تدفعها، في حال توفيرها أي نوع من الغطاء أو الدعم الإقليمي، لانفصال كردستان عن العراق. بدليل أن «داعش» احتجزت نحو 80 مواطناً تركياً، بينهم القنصل، بعد اقتحام القنصليّة التركيّة في الموصل.
2- إبلاغ أميركا والغرب بأن إيران شرطي المنطقة، التي يمكنها أن تلجم الإرهاب أو تطلق له العنان، وتغرق المنطقة به، إذا لم تستجب واشنطن وبروكسيل والغرب عموماً للمطالب الإيرانيّة.
3- تحذير كردستان العراق من أن صمت وصبر طهران على الطموحات والمشاريع السياسيّة والاقتصاديّة المتّجهة نحو الانفصال، له حدود، وهو على وشك النفاد. وأن «داعش» يمكن أن تصل إلى زاخو، آخر نقطة من كردستان على الحدود مع تركيا، في حال استمرّت قيادة الاقليم بمعاندة المالكي.
في المقابل، يمكن لهذه اللعبة الإيرانيّة الخطرة، أن تمنح كرد العراق، ليس فقط الحجّة الدامغة والدليل القاطع على تورّط بغداد في استهداف الإقليم الكردي، عبر «داعش»، بحيث «ينقلب السحر على الساحر» ويفرض الكرد سيطرتهم العسكريّة على المناطق المتنازع عليها، التي كان من المفترض أن تعود تابعيّتها لإقليم كردستان، بموجب تفعيل المادة 140 من الدستور العراقي. ذلك أن الكرد، سنة 2003، بسطوا سيطرتهم على كركوك وقضاء سنجار، إلاّ أنهم انسحبوا منها، كونهم أرادوا حلّ هذه المشكلة في سياق دستوري. والمادة 140 من الدستور العراقي واضحة بهذا الخصوص. وكان من المفترض تطبيق هذه المادّة نهاية 2007. وهذا ما عرقلته الحكومات العراقيّة المتعاقبة. وعليه، فمسألة محاربة «داعش» وتحرير المنطقة من مجاميعها، يمنح كرد العراق فرصة ذهبيّة لفرض سيطرتهم العسكريّة على المناطق المتنازع عليها.
ثمّة رأي مفاده أن المالكي، ومن خلفه طهران، يريدان استنزاف إقليم كردستان، عبر وضعه في مواجهة مباشرة مع «داعش»، مع استمرار فرض الحصار الاقتصادي على الإقليم، وحرمانه من مخصصاته من الموازنة العراقيّة العامّة، أو اختبار القدرة العسكريّة التي يمتلكها الإقليم الكردي، كإجراء استباقي لأي عمل عسكري يمكن ان تقوم به بغداد ضد أربيل. وثمّة رأي آخر، يقول: إن كرد العراق، لن يكتفوا باستثمار أزمة الموصل، وتحريرها من «داعش» وحماية الإقليم الكردي وحسب، بل سيتجاوزون ذلك إلى كسب سنّة العراق، إلى جانب زيادة الضغوط المحليّة والإقليميّة والدوليّة على بغداد وحكومة المالكي.
غالب الظنّ أن أحداثاً دراماتيكيّة ستشهدها المنطقة، هي التعبير الأصدق عن صراع الاجندات والولاءات، ستجلب معها مفاجآت واصطفافات، بات فيها كرد العراق رقماً صعباً لم يعد بالإمكان تجاهله أو تجاوزه أو التحايل عليه. وكدليل على التداعيّات الإقليميّة لاحتلال «داعش» للموصل، عقدُ القيادة التركيّة اجتماعاً موسّعاً حول ذلك، ومطالبتها باجتماع عاجل لحلف الناتو بهذا الخصوص، وتهديد داوود أوغلو، بالردّ على «داعش» في حال تعرّض الرهائن الأتراك لديها بأذى. وبما أن إيران باتت ضالعة في أشكال التوتّر والأزمات التي تشهدها سورية والعراق ولبنان ومنطقة الخليج واليمن، فأي حدث جديد في المنطقة، يملي علينا البحث عن إيران فيه. وإذا ثبت ضلوع طهران في احتلال «داعش» محافظتي الموصل ونينوى، فغالب الظنّ أن الهدف منه ضرب السنّة بالسنّة، والكرد بالسنّة والعكس، وخلط الأوراق، ورفد أزمات المنطقة بالمزيد. ولعل أبرز النتائج الخطرة لهذا التكتيك الإيراني الجهنّمي، هو استيلاء «داعش» على كامل محافظات نينوى والموصل وكركوك العراقيّة، وضمّ محافظتي ديرالزور والرقة السوريتين إليها، بغية تشكيل «دولة العراق والشام» العائمة على بحر من النفط. وهذا ما لن يسمح به الكرد وتركيا، ولا العالم بأسره. يبدو أن يوم انقلاب السحر الإيراني على صاحبه، قد اقترب.

الحياة
Top