• Thursday, 05 February 2026
logo

الإرهاب .. والتورط الاجتماعي

الإرهاب .. والتورط الاجتماعي
اذا كان الجمهور يقبل بتصوير جريمة “قتل” عن بعد فانه في المستقبل القريب سوف يشترك فيها حتما مثلما اشترك الاخرون في جرائم مماثلة تحت عناوين العقيدة والمذهب والعرق، كل المؤشرات تذهب الى أن الدولة تمضي باتجاه التحول الى مختبر لانتاج مشوهات انسانية مقرها العراق وربما اهدافها الخارج بعد ان يستنفد القتال الداخلي احتياجاته.

تكشف الجرائم التي ترتكبها الجماعات المتطرفة في العراق عن قسوة منقطعة النظير والتصوروالاحتمال حيث بُث على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو قتل مواطن امام الناس، محاكمة غير مستوفية الحد الادنى من الشروط وغير قانونية وانسانية جريمة قتل وارهاب لاغير امام المجتمع وهي تتكرر منذ سنوات ، كيف يَقبل افراد داخل المجتمع بحز رقبة مواطن من الخالف وأمام حشد يحمل كامرات الموابايل لتصوير عملية ذبح في أعلى مراتب القسوة. هذه الجريمة البشعة تكشف عن مشكلة في السلوك الاجتماعي الذي أصبح من الطبيعي فيه ممارسة الجريمة حتى تحولت الى مشهد يومي في العراق، وفي الوقت نفسه بات مقبولا ايضا أن يكون للميليشيات دور يرتبط بحجم عناصر الميليشيا في اللادولة وتلقى تأييدا على المستوى الشعبي، وهذا الامر دفع الى اشتباك بين معايير العمل السياسي ونشاط الميليشيات بحيث أصبح العمل السياسي يعني في أحد أشكاله الجريمة.

جرائم القتل والتطرف والوحشية الطائفية هي ليست جرائم سياسية فقط أو انها جزء من عملية الصراع بل هي مشكلة بنيوية في العقل الاسلاموي لذا فان المعالجات ليست سياسية فحسب على الرغم من أن القوى الممسكة بالسلطة عقيمة وفاشلة، ومن أجل ايجاد حلول نحن بحاجة الى اعادة قراءة التراث الديني في اطار وحدود الدولة ومبدأ التعايش السلمي، وإلا فان الابقاء على مشكلات الاختلاف والكراهية الطائفية بهذا الحجم ستكون نتائجه كارثية في المستقبل القريب.

واذا كان البعض يشكك في أن جرائم القتل والانتهاكات الخطرة لاصلة لها بالدين بمعناه الطائفي فان مايجري في سوريا وقبلها افغانستان مؤشر واضح على أن المشكلة الاساسية تكمن في انتاج قيم التطرف والكراهية التي شوهت المجتمعات ودفعت الجماعات المنضوية طائفيا وعلى اختلاف مذاهبها الى ممارسة الجريمة في المحصلة، أو على الاقل فانها تشترك الى حد معين عبر غض الطرف عن الكثير من القتلة باسم العقيدة أو المذهب.

المشكلة الاعقد تكمن في طبيعة العقل الممسك بالسلطة والذي من مسؤوليته ايجاد معالجات لمشكلات من هذا النوع ، هذا العقل الذي يتحرك يستغل المقدس لتحقيق مصالحة الشخصية ، وقدم انموذجا مشوها يقترب كثيرا من جرائم الذبح ويكاد لايختلف عنها عبر نهبه للثروة وسرقته للمال العام واستخدام كل الوسائل والطرق من اجل السلطة والانغماس والانشغال بالمصالح الشخصية والحزبية.

والسؤال الذي يطرح عقب كل جريمة ارهابية لماذا لانشهد تحسنا أمنيا؟ هل الدولة عاجزة عن معالجة المشكلات الامنية وهي تملك اموال كبيرة وعدد هائل من عناصر الامن؟ الدولة غير عاجزة بل انها محكومة بتشوهات الاول يكمن في نزوع التفرد الذي يحكم العملية السياسية ومؤسسات الدولة، ولايعني هذا الامر أن اشتراك القوى الاخرى في ادارة الملف الامني تحقيق الاستقرار والانتهاء من العنف، معالجة أزمة التفرد تكمن بالعودة الى الدستور في ادارة الملف الامني والقضاء على الفساد وتمكين القضاء.

التشوه الثاني يكمن في طبيعة القوى السياسية الممسكة بالسلطة حيث تتخذ هذه القوى استراتيجية اثنية للدفاع عن برامجها بدلا عن استراتيجية الدفاع عن الحدود الوطنية للدولة وهذا الامر نابع من طبيعة القوى السياسية والأسس التي تشكلت في ضوئها خلال السنوات الماضية.

لذا فان المأزق الامني كبير جدا لكن لايعني القبول واستمرار التدهور الامني في البلد الى أجل غير مسمى، نزيف دماء الابرياء اليوم نتاج اخطاء الطبقة السياسية الممسكة بالسلطة ونتاج الفساد الكبيرة المستشري في المؤسسات ومنها الامنية، اجهزة سونار فاسدة وصفقات تسليح مشبوهة وأعداد كبيرة من العناصر والقادة الامنيين غير المنضبطين.

للاسف فان المجتمع متورط في جرائم الارهاب صحيح أن هناك رفض واستنكار يصاحب أي جريمة لكن حين يجدد المجتمع الثقة بنواب يدعون علانية الى اجراء مناصفة في جرائم القتل بين السنة والشيعة فان هذا الامر يعني قبولا اجتماعيا بالجريمة نفسها، هذا التورط يؤشر تحول العراق “الدولة ذات الامكانات الكبيرة” الى دولة فاشلة بامتياز، اذا كان القانون يعالج هامش من المشكلات الاجتماعية فان حصة الميليشيات والقبلية ستكون اعلى من القانون في حل المشكلات خلال السنوات القادمة.



أزمر أحمد محمد

‌puk
Top