المصالحة عراقيا... برعاية الرئيس مسعود بارزاني...............صبحي ساله يي
أو الى موت وحرب أهلية مفتوحة، من دون ردع قانوني أو دستوري، وتعزيز القناعة بإنعدام القدرة على حكم البلاد بدون رعاية دولية، أو محتل أجنبي، أو جلاد ودكتاتور محلي.
لقد مرت إحدى عشرة سنة، ومازال البعض يعزف على وتره الطائفي، ويرفض الوحدة الوطنية، ومئات القتلى يسقطون، ويعاني المواطنون من السيارات المفخخة هنا وهناك، وحوادث الرعب لا تتوقف، وتهجير ملايين المواطنين من بيوتهم، ومعاناة البلاد من التدهور الاقتصادي والاجتماعي والأمني..
غالبية الحريصين على دماء العراقيين أكدوا وما زالوا يؤكدون على ضرورة إجراء المصالحة الوطنية، والكثير منهم يشيد ويستشهد بتجربة الكوردستانيين التصالحية، وحكمة الرئيس بارزاني في إرساء المصالحة بين الكوردستانيين، بينما البعض الآخر يذهب بعيداً فيذكر تجربة جنوب أفريقيا والرئيس نيلسون مانديلا.
بداية لابد من القول ان الوضع في العراق يختلف عن كوردستان وجنوب أفريقيا، ولندع الجنوب الأفريقي البعيد، ورئيسه الراحل مانديلا، ولنتحدث عن كوردستان والعراق... الأطراف الكوردستانية شعرت بضرورة المصالحة الوطنية لإجتياز نفق الإنقسام الذي أضر بالمشروع الوطني والقومي الكوردي، ونظراً للمشهد المنزوي الذي ماكان يكترث له أحد في أجواء الإضطرابات الإقليمية (آنذاك) وحسابات كانت تتعلق بمخلفات الحرب الباردة، عمد الرئيس بارزاني والقيادة السياسية الكوردستانية في الساعات الأولى من الإنتفاضة الجماهيرية في آذار1991 الى إصدار العفو العام عن كل المخطئين والمتعاونين مع البعث الغاشم، هذا العفو فتح نوافذ الفرص على مصاريعها أمام الجميع كي يمارسوا حياتهم الطبيعية في إطار برنامج وطني واسع، كما إنه (العفو) أغلق الباب في وجوه الذين كانوا ينوون الإنتقام والثأر، وفي وجوه الذين كانوا يراهنون على إنقسام وتشتت صفوف الكورد كي يستغلوا طرفاً ضد آخر، من أجل مآربهم الخاصة..
أما في العراق وبعد مضي أحد عشر عاماً على التحرر من الدكتاتورية، مازال هناك صراع على السلطة غير المكتملة أصلا، ويظهر هذا الصراع جهات تغلب المصالح الطائفية والمذهبية على حساب الأجندة الوطنية، وتأثير كل طرف من أجنحة الخلاف ينحصر في دائرة نفوذه الجغرافي، ويخلق نوعاً من الطائفية يمكن أن نطلق عليه الطائفية السياسية، لذلك فإن المصالحة بمعناها الشامل لم تبدأ بعد، والجهود المبذولة كبدايات، منتكسة ومتعثرة، والعوامل الكابحة لها أكثر بكثير من العوامل الدافعة، والتشريعات العراقية المتطابقة مع المواثيق الدولية، لا يجري تطبيقها في تحقيق العدل والمساواة والكرامة وحرية التعبير، ولن نستطيع تحقيق ذلك بين ذهنيات تعودت على نبذ الآخر، وعدم الاعتراف به، وقضية روح المواطنة والمساواة ورعاية حقوق الإنسان، مازالت تحلق في سماء الأماني، ولم تفلح المؤسسات المدنية والنقابات والجمعيات في خلق حالة إتفاق حول مفاهيم المجتمع المدني، في حين هيمنت بعض الأحزاب المذهبية والطائفية على تلك المؤسسات والجمعيات بقصد إدارتها حسبما تريد، وكل حزب يفسر مفهوم المجتمع المدني حسب ظروفه ومصالحه، وبما يعزز بقاءه..
كما إستجدت جملة عوامل طوال السنوات السابقة عملت جميعها على كبح وإفشال عملية التصالح في أكثر من مرحلة، وفي المرحلة الحالية أضيف إليها عامل آخر يتعلق بالتدخلات الإقليمية وبالمتغيرات والوضع في سوريا الذي يبدو مضطرباً وتظلله سحب قاتمة، ولأننا لا نريد الولوج في تفاصيل العوامل الكابحة، سنحاول الإجابة عن سؤال: هل المصالحة في العراق، ممكنة؟..
الجواب : ممكنة... ولكن ذلك يكمن في تحديد الأطراف المشمولة بها، وتوفير متطلبات المصالحة وتوفير الحد المعقول من الدعائم اللازمة لإنجاحها، كي تتجاوز العقبات والتحديات التي تواجهها، ولعل أبرزها هي:
* راع وطني محايد قادر على تحييد المؤثرات الإقليمية والدولية التي تمنع المصالحة، ومقبول لدى أطراف المعادلة، وهذا الراعي موجود وهو الرئيس مسعود بارزاني المقبول لدى جميع الأطراف، ونورد هنا ماقاله، معهد بروكينكز للدراسات الإستراتيجية الدولية على لسان كينس بولاك رئيس مركز سابات بخصوص الرئيس بارزاني: (بالنسبة لمن لايعرفون السيد بارزاني أقول إن هذا البيشمركه هو في الشرق الأوسط بمثابة باريس لفرنسا، حيث تلتقي كل الطرق عند بارزاني) .
* توفر الإرادة السياسية الصادقة والجادة من قبل أطراف الخلاف الأساسيين، وعدم إستغلالها بهدف تحقيق أهداف ذاتية وفئوية وطائفية، وخلق قنوات اتصال وتواصل تسهم في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة وتقليل الاحتقان الطائفي وتفعيل الحراك السياسي في المجتمع، ورفع الوعي السياسي لدى المواطن العادي وبالذات في المناطق الرخوة والساخنة، كي تكون القواسم المشتركة قاعدة أساسية لبرنامج سياسي توافقي، لأن من دونها تكون المصالحة إجراء متناثراً لا تحكمه رؤية سياسية مرحلية وتوافقية واضحة.
* توفير غطاء سياسي ومالي وإداري يحوي آليات تنفيذ واضحة وبمعايير مهنية، وبخطط متكاملة تلبي الحد المعقول من طلبات الأطراف غير المتصالحة، ومساندة المصالحة بضمانات كافية من أطراف أخرى تهمها العملية برمتها، وتستطيع التأثير على الجميع.
* المبادرة بإنتقاد الذات قبل الآخرين وقراءة المشهد السياسي بعقلانية واضحة ورصينة والإسهام في إصلاح ما أفسده الدهر في العلاقات التي دفع ضريبتها الناس البسطاء، والتي تعني إظهار الرغبة الجدية لدى الأطراف والبدء بالتصالح في توقيت يناسب كلا الطرفين، على أن لا تستغل لحظة التنفيذ لإغراض دعائية، كي لاتكون تأثيراتها السياسية مرافقة لمنافع ذاتية لطرف دون آخر.
* أن تكون المصالحة وفق رؤية إستراتيجية وطنية لإنهاء الصراع وليس إدارته، والإقرار بالخلافات والتأكيد على إمكانية تطبيعها.
*عدم إستخدام الانقسام كذريعة للتقاعس عن القيام بالدور الإنساني المطلوب.
*توفير الثقة المتبادلة بين أطراف الخلاف من خلال العمل المشترك بين القادة المدنيين والسياسيين في أجراء المصالحة، وأن يكونوا فوق مستوى الصراعات وأعمال العنف.
*التأكيد على روح التسامح والقبول بالطرف الآخر، وقطع الشك باليقين تجاه إستحالة عودة الحياة إلى ما قبل سقوط صنم بغداد، لان عجلة الحياة السياسية تقدمت والأصنام تهدمت والحقائق كشفت والصحوة من الأوهام ضرورة وعافية و أمن وسلام.
وأخيرا، المصالحة ممكنة، لو تدخل الرئيس بارزاني فيها، ولو تلمس العراق الطريق نحو الدستور والدولة المدنية، وبدأ بمواصلة خطوات الإصلاح الشامل في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية، لتحقيق التنمية المستدامة المنشودة، وتعزيز روح المواطنة والمساواة ورعاية حقوق الإنسان، وفقا لمواثيق ومعايير حقوق الإنسان، وتعزيز دور المرأة العراقية في بناء المجتمع، وإعادة بناء العلاقات بين العراقيين على أسس من التفاهم والتسامح والحوار.
والمصالحة على العموم مشروع لترميم الصدع بآليات ناجعة وفعالة، لطي صفحة الماضي، تتحمل مسؤولية نقلها من حالة التنظير إلى الواقع العملي، جميع مكونات المجتمع لخلق مناخ وطني نقي يعتمد لغة الحوار والمصارحة، وتشخيص الخلل الذي يحول دون تلقي المبادرات بروح متفهمة وعاقلة ويؤكد على الإعتدال في الخطاب السياسي من أجل التقليل من الاحتقانات المتوترة بين العراقيين بما ينسجم مع أطر المصلحة العامة.
