البحث عن النسيان.........خالد القشطيني
فكرت في أن أتصل به وأعرض عليه نفسي ليجري تجاربه علي. فعندي من الذكريات ما ينغص حياتي، وما أكثرها. ومن شتى الألوان والأشكال والأزمان. أحسن ميدان لتجاربه. وإن أخطأ ومسح كل ذاكرتي فمعلهش! ليس فيها ما يسر الإنسان أو ينفع بني الإنسان. وأول ما سيحصل هو أن أنسى دفع فاتورته.
ولكن لا بد لي أولا أن أحدد له ما أريد حذفه من ذاكرتي. هات القلم يا ولد واكتب. أولا، أريد أن أنسى كل مشاركاتي في المظاهرات ضد العهد الملكي في العراق. ثانيا، أريد أن أنسى كل شيء حصل في شهر يوليو (تموز). فكل الثورات جرت في هذا الشهر المحموم، من الثورة الفرنسية إلى ثورة عبد الكريم قاسم. وفي هذا الشهر عقدت زواجي بزوجتي نمرة واحد. اكتب يا ولد قبل أن أنسى. وفي هذا الشهر تخرجت في المدرسة، وقبلت في الجامعة لدراسة القانون في بلد لا يحترم القانون ولا يكتب القانون غير الجهلاء والمتخلفين عن ركب المدنية. اكتبها قبل ما تنساها أنت!
وخذ يا ولد ورقة جديدة واكتب. لا! ما ينفع! أحسن هات لك دفتر جديد واكتب. اكتب أريد من الطبيب أن يمسح من ذاكرتي كل ما كتبته في مدح من قاموا بانقلابات وتولوا شؤوننا وقادوا شعبنا وخدعونا بشعارات زائفة وصفقنا لهم وهتفنا بأسمائهم. اكتب! وحط كل من سمى الانقلابات ثورات.
«إيه؟ ايش تقول يا ولد؟ تريد أسماءهم»؟
«معلهش! هم كلهم في نفس الزاوية من المخ، الزاوية التي خصصها الخالق سبحانه وتعالى للسذاجات والألعاب. هو الدكتور الدنماركي يعرفها. كان يشتغل في الخرطوم ثلاث سنين».
افتح صفحة جديدة يا ولد. أريد من الدكتور العالم أن يحذف من ذاكرتي كل من أحببتهن من المثقفات وهجرنني لمن في جعبته المناصب والثروات. اكتبها. واكتب كل هذا الغش الحالي بين المثقفين. كل الحرامية والانتهازية الذين ادعوا بالحركة الوطنية ليطردوا الاستعمار ويضعوا بلادهم في جيوبهم. قلت لك الدكتور الدنماركي يعرفها. كان في السودان وبعدين راح إلى ليبيا، ومن بلد عربي لبلد عربي. يعرفها كلها. لكن المهم أن يكتشف مكانها في مخي ويستأصلها من ذاكرتي. رأسي أحسن ميدان لتجربة محو الذاكرة. «وح ابوس راسه وقندرته من يكملها».
