الديمقراطية والتغيير السياسي
بدون شك فإن لكل هذه العوامل دورٌ في عملية بناء النظام الديمقراطي في المجتمع، وبالتالي فإن نجاح التغيير في النظام الديمقراطي راجع بالدرجة الأولى إلى تفعيل الديمقراطية الإجتماعية فإذا كانت هناك ديمقراطية إجتماعية في المجتمع فسيكون هناك تغيير نحو الأفضل في النظام السياسي، أما إذا كان هناك ديمقراطيّة سياسيّة تنعدم فيها الديمقراطية الإجتماعيّة فإن عملّية التغيير تكون بطيئة ومتلكئة جدا وهو ما يتمخّض عنه نشأة دكتاتوريات صغيرة (خفيّة وسريّة وأحيانا مُعلنة) لاتظهر بصفة مباشرة في العمليّة السياسيّة ، ممّا يؤدّي إلى إنهيارات سياسيّة في الدولة ، وبالتالي يؤدّي إلى حالة ما لا يُحمد عقباه في المجتمع بأسره .
وهو ما يلاحظ كثيراً عند استقراء الواقع العراقيّ ، فالعراق دولة نظامها الديمقراطي حديث الولادة، إضافة إلى أنه رزح ثلاثة عقود ونصف تحت ظل نظام دكتاتوري بأتمّ معنى الكلمة ، فقد عمل هذا النظام على إبعاد الشعب عن الفهم السياسي وجعله مشاركته وتفكيره السياسي غائما ومحدودا، ممّا أدّى إلى زرع الديكتاتورية في النمط الثقافي العام للمجتمع بصفة آليّة. كما أنّ التغيير السياسيّ الّذي حدث في العراق عن طريق الإحتلال فرض بطبيعته ظغوطات خارجية ولم يُعطِ الحكومة العراقيّة الصلاحيّة الكاملة للممارسة السياسيّة. وأمّا على مستوى فعل أفراد الشعب فإن توجّههُم كان ولازال توجها دينيّا وذلك بتصويتهم لرجال الدين الذين يتبنون دين السياسة في عملهم ومساعدتهم للولوج في عالم السياسيّة وهو ما أفرز إخفاقات كبيرة لرجال الدين هؤلاء . كما أدت سيطرة القلق الإجتماعي على ذهنيّة الفرد العراقي إلى عدم التصويت على كتل سياسيّة معيّنه أو مرشّحين جدد وذلك إمّا لعدم ثقته فيهم أو لإحتكامه بمُبرّر ديني أو طائفي أو قومي أو كذلك لخوفه من عملية التغيير ذلك أنه يخاف خسارة شخص تتوفر لديه الخبرة السياسية بمجيء شخص آخر تنعدم لديه المسؤولية ولا يمتلك القدرة على إدارة شؤون الدولة. وهو ما يوضّح لنا كيفيّة تغلغل الثقافة الدكتاتوريّة في أعماق المجتمع(أسطرة الشخص)، وهذا فضلاً عن تقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامة وتقديم الإنتماء على الولاء الوطني . لقد أدّى كل هذا إلى فشل العمليّة السياسيّة والديمقراطيّة في السنوات السابقة التي تلت النظام الدكتاتوري . ولعل ما زاد الطين بلة وما عمّق هذا الفشل هو أن المجتمع العراقي بطبعه ذو شخصيّة ثقافيّة إزدواجيّة كما يقول الدكتور علي الوردي .
كتبت مقالي هذا لكي أعطي بعض التوصيات التي تؤكد على أهميّة التغيير في المرحلة السياسيّة القادمة وذلك سعيا للنهوض بنظام ديمقراطيّ حقيقيّ وفعليّ نبني به المستقبل ونتخلص من الدكتاتوريات والجهويّات والفئويات والطائفية والعرقية والإثنية ونُعلي الولاء الوطنيّ فوق كل الإنتماءات الفرعية لأنّه لمن قٌبح العقل تقديم المفضُول على الفاضل . أما أهميّة التغيير في المرحلة القادمة فإننا نستخلصها في النقاط التالية :
1 - إن الديمقراطية في المجتمع العراقي حديثة الولادة وكل مولود جديد بطبعه يعاني من مشكلات وصعوبات إثر نموّه، وإن هذه الصعوبات تتلاشى رويداً رويداً مع تقدم الزمن ومع المتابعة والحرص والرعاية والأمان ، أي أن تلاشي هذه المشكلات يكون بالتغيير المُستمرّ للعمليّة السياسيّة (التداول السلمي للسلطات) والتي تتم عبر الإقتراع . وهنا أقترح أن يمارس الحزب الحاكم حكمه دورة واحدة فقط .
2 - إعطاء فرصة إلى نخب سياسيّة جديدة أولا لصعودها إلى سدّة الحكم علما وأن هذه النخب يجب أن تكون على دراية تامة بالتلكإ واللإخلالات والفلول التيّ حدثت في الدورات السابقة حتى يضعوها نصب أعينهم ويعتبروا منها . وثانيا لمُمارسة أنشطتها الجديدة كي تُرسي واقعا أفضل . وهذا فضلاً عن التغيير المستمر الذي يُعطي صورة تحذيريّة أو تنبيهيّة للمسؤول بأن نجاحه مرهون في عمله الذّي يقدّمه للمجتمع.
3 - في المرحلة الجديدة يجب أن يكون هناك تغيير جذري. لأنّه وعلى مدى إحدى عشر سنة كاملة من عمر الديمقراطية في المجتمع العراقي لم يحدث أي تطور أو تقدم في شتى المجالات وعلى كافة الأصعدة. بل الأخطر من ذلك ظهور خلافات وتوتّرات حادّة بين الكتل السياسيّة
4 -إ نّ التغيير المستمرّ في النظام السياسيّ الذّي يكون يوم الإقتراع يُعزّز الوعي الثقافيّ والسياسيّ لدى المواطن ويكسبه حسّا وطنيّا عالياّ، وُيعمّق إدراكه بأنّ نجاح الحكومات مرهون بالإختيار الأمثل . بل إنّ النتيجة الأعمق والأفضل من كل هذا هي إحساس المواطن العراقيّ بأنّه فاعل في المجتمع وفي عمليّة التغيير وبأنّه مشارك في إرساء النظام الديمقراطيّ الّذي سيضمن حقوقه وحريّاته، وووعيه التّام بأنّ الحُكم للشّعب لا للحاكم وهذا هو المعنى الحقيقيّ لكلمة (الديمقراطيّة).
مهتدي رضا الموسوي
puk
