اختلالات الموازنة .. التصميم .. التنفيذ.. المحاسبة !
كما - تراجعت أرصدة الخزينة من (18.5) مليار دولار نهاية 2012 إلى (6،5 مليار نهاية 2013) حسب ماجاء في مقال للدكتور عادل عبد المهدي-.
وهذا يعكس بدورة حجم التحديات التي تواجهها الدولة العراقية في الأشهر المقبلة في ظل غياب الحسابات الختامية للموازنات السابقة وما له من تداعيات سلبية على الموازنة الحالية من جهة، وما له من دلالة على ضعف الشفافية وألإبتعاد عن متطلبات الحكم الرشيد من جهة أخرى :
1 - يؤكد الخبراء المختصون في تصميم الموازنات على ضرورة أن تكون تقديراتها متقاربة إلى حد كبير مع البيانات الختامية لموازنة العام الماضي ومنسجمة مع نتائج الحسابات الختامية للأعوام التي سبقته، سواء لفقرات الإنفاق العام أو بنود الأيرادات العامة وكذلك فيما يتصل بأرقام العجز الكلي والعجز الصافي. وهذا غير متاح في الحالة العراقية لغياب الحسابات الختامية.
2 - في الحقيقة أن عجز الموازنة من المشاكل التي تواجه الكثير من الدول والحكومات لكن تتباين أساليب المعالجة تبعا لدرجة التقدم الإقتصادي وتوزيع مصادر الإيرادات وطبيعة النظم السياسية. فالحكومات غير الديمقراطية وغير المسؤولة تأخذ بالحلول السهلة الخاطئة كالإستغراق في الإقتراض الداخلي والخارجي أو السحب من إحتياطي البنك المركزي ألذي يفضي في النهاية لتداعيات مقاربة لتلك التي تسببها عمليات طبع النقود دون أن يقابلها غطاء مناسب من العملات الصعبة، ما يؤدي إلى زيادة التضخم وسرقة أموال المواطنين بطريقة غير مباشرة. أما في الدول الصناعية المتقدمة فتحدد نسب معينة من العجز إلى الناتج الإجمالي لايجوز تجاوزها، وتعمل على تضييق العجز عبر طرق معروفة كتقليل الإنفاق العام في بعض المجالات كالتعليم أو من خلال تعظيم العائد الضريبي وهذه لاتخلو من التداعيات الإجتماعية والآثار السياسية كالإضرابات وخسارة أصوات الناخبين من الفئات المتضررة.
3 - من أهم أسباب تفاقم عجز الموازنة العراقية نمو معدلات الإنفاق العام وتدني معدلات التشغيل وإنخفاض كفاءة إستخدام المؤسسات للموارد العامة والمخزون السلعي وتدني معدلات الإدخار المحلي والإستثمارات الخارجية. ناهيك عن الميزان التجاري السلبي الكبير - خارج عملية تصدير النفط – الضاغط بقوة على الموازنة التشغيلية، والذي ظهر بصورة أكثر وضوحا عند إرتفاع أسعار النفط العالمية في السنوات الأخيرة والزيادة في دخل موظفي القطاع العام التي لم يوازها نموا سريعا في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية، ماجعل الإقتصاد العراقي ذا إستعداد تضخمي وأكثر تأثرا بظاهرة الغلاء المستورد. ونتيحة لما تقدم فأن الإستثمار المباشر للدولة أو المدعوم ماليا عن طريقها للنهوض بالقطاعات المختلفة محدود المساحة لإعتماده على ما يمكن تخصيصه من الموازنة العامة بعد خصم الإستهلاك.
4 - ومن أسباب العجز أيضا عدم إدخال موازنة الأداء وثانيها ميزانية إدارة الوقت ومؤشرات الفساد وضعف الشفافية وسوء الإدارة والتوزيع. فالموازنة القائمة على الأداء تضمن كفاءة إستخدام الأموال والإمكانيات في تحقيق الأهداف والحصول على الخدمات ضمن برامج محددة مسبقا، تتم في إطارها الرقابة الكفوءة للوقوف على مدى تحقق الإنجاز على الأرض بمواصفات عالية واقل هدر مالي. فهي لاتنتهي بالمراجعة الحسابية للتأكد من عدم وجود ظواهر فساد مالي وإختلاسات وأن الأوراق والمستندات المقدمة صحيحة في تعبيرها عن المصروفات، وإنما تمتد إلى التأكد من فاعلية استخدام النفقات وتحقيقها لأهداف الإنتاج والخدمات للوحدة الحكومية المعينة وفق المعايير العلمية والجداول الموضوعة وتحليل النتائج والتاكد من سلامة تنفيذ الخطط الوزارية والأعمال التنفيذية من النواحي المالية والفنية والإدارية والقانونية، وحسن تطبيق معايير الجودة الإقتصادية وأيضا الجدوى السياسية بمعنى الآثار التي يتركها المسؤول والوزير أثناء التصدي لمسؤولية الموقع كشعور المواطن بالرضا من الخدمات التي تقدم وإنعكاس ذلك على المزاج الشعبي العام. ودرجة إرتقاء الوسائل الإدارية الخاصة بتنظيم وتهيئة المستندات في الوحدة الحكومية لتكون متاحة وقت الرجوع إليها لإضعاف ثقافة السرية في الوحدات الإدارية وتمكين إعلان النتائج وإخضاعها لمفهوم القياس المرجعي لتجويد الأداء وتحسين المخرجات وبالتالي ترشيد مراحل وعمليات التنفيذ والإنفاق.
والمطلوب أيضا توجيه الإهتمام إلى الإدارة الزمنية الإيجابية على مستوى الدولة حكومة ومجلس نواب والمؤسسات المختلفة، فالوقت ليس قيمة متضمنة في العمليات الإنتاجية فقط وإنما يدخل في جميع العمليات السياسية والتشريعية والإدارية والخدمية والنشاطات الفردية والمجتمعية لذا فأن إدخال هذا البعد في دراسة وتقييم الموازنة السنوية سيكون له مردود مادي ضخم، يتناسب طرديا مع الحجم الهائل لموظفي القطاع العام ويحول دون ترحيل الإستحقاقات إلى القادم من الوقت وعدم الإلتزام بالتعهدات المقدمة وتراكم المشاكل وتعقدها لتصبح صعبة الحل. فعلى كل مؤسسة ووزارة ومديرية تقديم شهادة النجاح في هذا الموضوع تكشف الإستخدام الأفضل لهذا البعد المهم وإنعكاسه الإيجابي على العمليات والنفقات والمهام في الوحدات الإدارية، وجودة إنتاج القوانين وإختيار السياسات والوفاء بالإلتزامات وإنجاز المعاملات وإيصال الخدمات المختلفة في الوقت المناسب. ويأتي هنا الدور المهم للمؤسسات التربوية والإعلامية والسياسية أيضا في تركيز قيم الإدارة الصحيحة للوقت بالتخطيط له وفقا للأهداف الموضوعة، وتحديد المراحل والعمليات وأدوات ومعايير القياس الكمي والنوعي للمنجز بمراحله التفصيلية المتعددة وفي إطار علمي من التنظيم وتحديد الأولويات وتوقع المعوقات وسبل تذليلها.
4 - وتأتي ضمن أسباب عدم كفاءة إستغلال الموازنة السنوية الإدارة غير الكفوءة لاصول وممتلكات الدولة ومخزونها السلعي ومنع تراكمه وتعرضه للتلف وغياب الإعتماد الفعال لمعايير الجودة في التعاقد وشراء السلع بأفضل المواصفات وادنى الأسعار الممكنة. كما أن توجيه الإستثمار في المشاريع هو الضامن الوحيد لتجنب العشوائية والتداخل والقيام بأنشطة إستثمارية متشابه دون مراعاة الظرف المكاني وتلبية حاجة أوسع مساحة بشرية إلى المشروع الجديد، فتكون النتيجة هدرا للأموال في ظل محدودية الموازنة الإستثمارية قياسا بالفجوات الواسعة في البنى التحتية والقطاعات الإنتاجية والخدمية. ويمكن تطبيق مبدأ المحاسبة الإدارية على المسؤولين والوزراء عن اصول الدولة في دوائر مسؤولياتهم لجهة الحفاظ عليها وإجراء عمليات الصيانة الضرورية، وإخضاع الأصول الجديدة عند إتمام تنفيذ المشاريع لآلية المحاسبة النقدية على أساس رأس المال المنفق فيها وما تضيفه من إنتاجية وخدمات، لا أن تعتبر أموالا محروقة غير خاضعة للمساءلة القانونية والمجتمعية، حيث يكون الوزير أو المدير مسؤولا عن هذه الاصول كمسؤوليته عن الاموال المخصصة في الموازنة السنوية في ظل تقدير الكلف التي تأخذ الإندثار الزمني والقيم الحقيقية لها مع مراعات الفرق بين القيم الفعلية لخدماتها والقيم الحسابية في إطار سياسات الدعم الحكومي المحتمل للخدمات والسلع المنتجة عبر القطاع العام.
5 - ضرورة ألتأكيد على إعمال القانون على الجميع دون إستثناء والتأكيد على الشفاقية وحق الوصول إلى المعلومات والمصداقية وإدخال قضية المسؤولية السياسية والإدارية لصانع القرار. ولعل أهم ما يميز النظم الديمقراطية الحقيقية هو رسوخ مبدأ المواطنة القانونية أي غياب الفجوة بين النص القانوني وتطبيقه على الجميع وإبتداءا بالمسؤول مهما كانت درجته، لأن إحترامه للقانون هو الحجة الإضافية في إلزام الآخرين على إحترامه وقوام الشرعية التي ينهض عليها بناء الدول وهيبة النظم..فالقانون ليس أداة بيد الحاكم يفرضه على المحكومين ويرهب به المعارضين بل الجميع يخضع لنفس القانون ولنفس الإجراءات. كما أن إلتزام المسؤولين أولا بالقانون ليس فقط شرطا من شروط الديمقراطية وإنما هو شرط أيضا للنجاح الدولة إقتصاديا وماليا لأن إتخاذ القرار في هذه المجالات هو نوع من الحساب والمقارنة والموائمة يستلزم توافر البيانات الصحيحة والدقيقة في إطار الإستناد إلى مبدأ العمل المؤسسي لا الإرتجال الشخصي ما يوفر قدرا كبيرا من الإستقرار في السياسات والتوجهات وفاعلية في إدارة الأزمات وإحتوائها. وفيما يتصل بالشفافية وحق الوصول إلى المعلومة فإن هناك بعض المبادئ التي يؤكد عليها صندوق النقد الدولي منها وضوح الأدوار وضمان سلامة البيانات وعلانية إعداد الموازنة وتنفيذها والتدقيق النهائي وإظهار كافة المعلومات بدقة ومسؤولية للتقليل من الفساد ومعدلات الإنحراف على مستوى الوحدات الحكومية والمؤسسية. بخلاف ذلك تسقط المساءلة وتضيع الأموال ويصعب معرفة حقيقة الأوضاع والقدرة على المتابعة والتحقق من سلامة الإنفاق الحكومي. وفي نهاية هذه الفقرة أريد التأكيد على مبدأ مهم يذكره المختصون في وضع الموازنات وهو شمولية الموازنة بمعنى ان تتضمن جميع عناصر الإيرادات والنفقات ولاتخرج منها اية بنود ولاتصرف أية مبالغ خارج إطارها، لأن هذا هو أصل وجود الموازنة وخرقه يعد تجاوزا لشروط الخدمة المدنية فالموظف العام سواء كان موظفا بسيطا أو مديرا أو وزيرا أو رئيسا لمجلس الوزراء له سلطة تفويضية وليست مطلقة والخروج عنها أو المحاولة لتجاوزها يعد إخلالا للتعاقد أو التعاهد والإلتزامات السياسية والإدارية التي قطعه المسؤول على نفسه ما يستلزم تحمل المسؤولية السياسية والإدارية. فسلطاته ليست حقوقا مقررة له وإنما وسائل لتنفيذ الإلتزامات وفقا للضوابط والمعايير الصحيحة. وهذا ما ساعد النظم على التطور فالديمقراطيات الحقيقية تقوم على الرقابة والمساءلة والمحاسبة وإعطاء الثقة وسحبها ومبدأ التداول السلمي للسلطة عبر الإنتخابات لوضع حد للسياسات الخاطئة والممارسات غير الصحيحة وإعادة الأمور إلى ألأوضاع الصحيحة وتمكين الناس من المقارنة بين الإخفاق والفشل والإنجاز والنجاح وتمكين المؤسسات بضخ دماء جديدة وبالتالي تحشيد الطاقات نحو التقدم وهذا يعزز من مصداقية الأنظمة السياسية ويشجع الإستثمارات والتقدم الإقتصادي.
أخيرا أرى من المناسب تركيز الفكرة عبر إعطاء بعض الأمثلة : كلنا وقفنا مع السيد رئيس الوزراء نوري المالكي حين أعلن أن عام 2008!! سيكون عام - الحرب على المفسدين والمتلاعبين بالمال العام، ثم سمعنا السيد المالكي وهو يتحدث عن ثغرة في قانون للعفو في ذلك الوقت حالت دون ملاحقة السراق الكبار. أما المثال الثاني فهو إنتقاد الدكتور أحمد الجلبي للمادة 25 المقرة من مجلس الوزراء!! في موازنة 2012 قبل أن تلغى برلمانيا حيث اعتبرها “صك غفران” للمتجاوزين على المال العام! أي ثغرة يفلت من خلالها السراق!! وبين المثالين زمنيا مطالبة المهندس باقر جبر الزبيدي وزير المالية السابق السيد المالكي بمناظرة علنية حول صرفيات الحكومة ووزاراتها امام الفضائيات ووسائل الأعلام رافضا أن يكون ذلك أمام كاميرات مجلس الوزراء الخاصة. كما حمل نواب آخرون وفي فترات مختلفة الحكومة والبرلمان مسؤولية عدم تدقيق الحسابات الختامية مشددين على أهمية الحسم من قبل رئاسة مجلس النواب لجهة مطالبة الحكومة بتسليم الحسابات الختامية وعدم إرسال الموازنة في كل سنة بتوقيتات حرجة ثم المطالبة بسرعة المصادقة عليها كي لاتتعطل المشاريع. وأخيرا التصريح المتلفز للدكتور أحمد الجلبي حول الإنفاق الحكومي على السحب المكشوف والإنفاق خارج إطار الموازنة والذي بلغ عشرون تيرليون دينار في السنوات القليلة الماضية مما يؤدي ألى فقدان مصداقية الموازنة، مشيرا إلى تقرير دائرة المحاسبة المالية حول قائمة المشاريع غير المنجزة والتي بلغت عدة آلاف، إضافة إلى عشرات تيرليونات عراقية من السلف المتراكمة!.
لعل نقطة تقاطع هذه الخطوط اوالأمثلة هي نقطة شديدة الكثافة في دلالتها، يمكن أن تشكل إطارا لإدراك ضرورة إدخال مفهوم المسؤولية السياسية والإدارية لتحسين إدارة المال العام هذا من جانب، وموضوعا لدراسات مالية وإدارية عميقة تخضع المرحلة السابقة كلها للحساب والمساءلة القانونية والسياسية والأخلاقية!.
د. صارم رسول الفيلي
puk
