في الذكرى الـ (26) لفاجعة حلبجة ... الضحية تنتصر على الجلاد............................... فوزي الاتروشي
واهلكت الزرع والضرع واحرقت الاخضر واليابس وسممت البيئة فكانت بذلك نقطة البداية في مرحلة جديدة من النضال التحرري الكوردستاني .
المجرم اراد التعتيم على الجريمة وعمم على السفارات العراقية في حينها لتدشين حملة تمويه لتضليل الرأي العام العالمي , لكن التقرير التلفزيوني الذي وصلنا في البر الاوروبي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير وساعدنا على التهيئة لاكبر حملة لمناصرة القضية الكوردية والعراقية التي كانت محاصرة بصمت مطبق في الدول العربية وعموم العالم الاسلامي الذي استطاع النظام السابق رغم فظائعه كسبها الى جانبه .
لكن الفلم التلفزيوني شاع وانتشر بأقصى سرعة في الدول الاوروبية وفي المانيا عرض في قاعات كبرى كذلك في لندن وباريس وستوكهولم وامستردام وغيرها من العواصم الاوروبية التي استيقظت على هول هذه الجريمة البشعة .
ومنذ البداية صممنا في كل الاحزاب الكوردستانية والعراقية المعارضة على توظيف هذا الدليل الدامغ الذي يدين النظام ولا يترك مجالا ً للشك فيما يقدم عليه من قتل شعب بالجملة .
بدأت كبرى الصحف الاوروبية تكتب عن الحدث , وشرعت المنظمات الحقوقية بفضح الجريمة ودعوة بلدانها لاتخاذ قرارات حاسمة , ومن جانبنا بدأنا بالكشف عن اسماء الشركات التي زودت النظام بالغازات السامة , اما البوسترات التي وزعت بعشرات الالاف من النسخ في العواصم الاوروبية فكانت ايذاناً واعلاناً بتفوق اليات عملنا الاعلامي على ديماغوغية النظام الذي انكفأ على ذاته ولم يعد امامه سوى الانكار القبيح لجريمة تتحدث عن نفسها بنفسها ارتكبها نظام انسلخ كليا ً عن الانسانية وعن الحضارة وكل المنظومة القيمية والحقوقية للبشرية .
ومع اشتداد الحملة وتضافر الجهود الدولية وتوافد المئات من جرحى القصف الكيميــــاوي على الدول الاوروبية للعلاج تراكمت ادلــــة جديدة على هول الجريمـــة , وبدأنا نتحسس رغم عمق الجراحات الغائرة وحجم الضحايا بأن ثمة بارقة امل تلوح في الافق لوضع النظام في قفص الاتهام . وهذا يؤكد ان الحقد حتى لو بلغ اقصاه وان الطغيان مهما استبد ودمر وقتل واحرق واباد فانه يعجز عن قهر ارادة الانسان وقوته المعنوية في المقاومة .
وهذا ما حصل , فسرعان ما تحول تاريخ السادس عشر من اذار عام 1988 الى علامة بارزة في الاعلام الاوروبي وبدأت الاقلام تطالب بجعله اليوم العالمي لتحريم الاسلحة الكيمياوية .
قبل (حلبجة) كانت (هيروشيما) و (ناكازاكي) اليابانيتين واللتين قصفتا في الحرب العالمية الثانية بالاسلحة الذرية , فقد تحولنا ايضا ً الى عنوان عالمي في فكر البشرية وفي ادبياتها وما زالتا تهزان الضمير العالمي كلما جاء ذكرهما .
(حلبجة) او (هيروشما الكوردية) كما اصبحت فيما بعد تسمى بدأت تلملم جراحـــــاتها , وقدمت بعض الدول مساعدات لإعادة الاعمار في مقدمتهـــــــا المانيا , وفي نيسان عام 1991 حين صدر لأول مرة في تاريخ الامم المتحدة قرار انشاء المنطقة الامنة في كوردستان العراق , شكلت فضاعة الالم الذي خلفته جريمة (حلبجة) الخلفية النفسية الوجدانية لهذا القرار الذي دخل التاريخ تحت رقم (688) والذي يبيح لأول مرة التدخل في سيادة الدول لمنع الحكومات من قصف وإبادة شعوبها . في نفس الوقت تصاعدت الأصوات في اغلب البرلمانات الاوروبية لمناقشة تداعيات هذه الجريمة واعتبارها جريمة إبادة جماعية وما زالت الحملة لغاية الان مستمرة .
وعلى الأرض تم بناء (حلبجة) جديدة وأعيد الأعمار الى مدينة أُبيدت وسويت بالأرض , اما قبور الضحايا ومتحف الذكرى الذي يضم قوائم اسماء الضحايا وبعض المقتنيات والصور فأنه اصبح مزارا ً للوفود الاجنبية وللاجيال الجديدة لكي لا تنسى ولكي تبقى عالقة كما الوخز يدق على الضمير العالمي . وبإعدام المجرم (علي كيمياوي) تحققت قفزة اخرى لجهة انتصار الضحية على الجلاد الذي دمر في حينه كل شئ الا الإرادة والأمل .
واليوم اذ تعلن حكومة اقليم كوردستان تحويل (حلبجة) الى محافظة فأنها في الحقيقة تقول للعالم كله على لسان الضحايا وذويهم ان القتيل انتصر على القاتل وان الضحية انتصرت على الجلاد .
