قِبلة بيروت.....................................علي عبد العال
إلى بيروت الحبيبة الجميلة يستدير مدار المنفي بعد أكثر من ثلاثة عقود؛ كم هي الحياة طويلة أحيانا وقصيرة أحيانا أخرى؟ وكم هي عابرة وكم هي ثابتة، وكم تبدو لنا الحياة شاعرية في خضّم الجدح والقدح وأصوات المدافع الثقيلة والخفيفة. والعربات التي تحمل المدافع الرشاشة يمتطيها صبيان من كل الشعوب العربية يرتدون زي المقاومة الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي. كانت الثورة الفلسطينية في أوج عظمتها، وكنا كمتطوعين عراقيين نشعر بالفخر لإنتمائنا الأكيد لهذه الثورة الحرة التي تحمل السلاح ضد أكبر عدو مدجج أكثر منها بسلاح وبدعم دولي أوروبي كاسح وغير عادل. وكنا جنود مجهولين فقراء لكننا أحرار نحمل بنادق الكلانشكوف فوق أكتافنا ليلا نهارا حتى عاد البعض منا لا يستطيع النوم على فرشته على الأرض بدون معانقة بندقيته.
كانت الأسماء الكبيرة قد سبقتنا إلى الشهادة ببضعة أعوام؛ غسان كنفاني وكمال عدوان وكمال ناصر والعراقي الفدائي والفنان الفذ إبراهيم زاير زميلهم ورفيقهم في العمل الثوري والحقل الإبداعي. حصلنا نحن الجيل العراقي الثوري الجديد على معايشة الشاعر الراحل محمود درويش في مجلة الكرمل، وعلى أصوات شعرية وطنية لبنانية خاصة تصدرها الشاعر الجنوبي شوقي بزيع وعايشنا مرحلة التنافس الكبير بين المدرسة الشعرية الفلسطينية بقيادة محمود درويش ومنافسه الإبداعي الكبير الشاعر والمفكر أدونيس. كل واحد كان له منظوره الخاص المتعلق بمفهوم المقاومة. فبينما كان الشاعر محمود درويش يعزف على وتر البندقية، كان الشاعر الكبير أدونيس يعزف على وتر الثقافة العربية ذات الطابع العالمي، وليس من دون حس ثوري، بل هو في صلب هذا المخاض العسير والكبير لكن من زاوية مختلفة تتعلق بالمدى الثقافي العالمي وليس بالبندقية فقط.
بيروت العام 1979 كانت تشهد دمارا وخرابا أفرزته الحرب الأهلية التي استمرت منذ العام 1976؛ وكان القناصة يجلسون فوق المباني لصيد الناس من الجهتين. ولم نكن نبالي بهؤلاء القناصة، ولدينا أسلحتنا الخاصة. كنا في ذلك العمر نصول ونجول في أرجاء بيروت من الدامور حتى الفاكاهني وصولا إلى عين المريسة والروشة عبر شارع الحمرا بطبيعة الحال. أفرزتنا الحرب الأهلية نحو دمشق. لبيروت نكهتها الخاصة التي لا يوجد مكان في العالم يشبهها بالتحديد. هذه المدينة المثقفة والمتطورة حتى في أقسى درجات الخراب كانت مدينة يتعلق بها المحبون والعشاق والشعراء والمغامرون من جميع أصقاع العالم. بيروت هي عاصمة العالم المتجددة في كل وقت وفي كل زمان. من قلبي سلام لبيروت..
