كنت وقتها في عامي الأخير في أربيل، اتخذت قراراّ بإنهاء عملي في العراق، فالأوضاع كانت بالغة السوء، دخلت الحرب العراقية الإيرانية مرحلة حرب المدن الصواريخ الإيرانية في مقابل الصواريخ العراقية، والتي تمكن صدام حسين من شرائها من كوريا الشمالية، وغير هويتها من شيوعية إلى إسلامية، فأطلق عليها إسم (الحسين) و(العباس)، حينئذ غاب العقل تماماّ وأصبحت المسألة جنون في مواجهة جنون، وفي ظل هذا الجنون يمم صدام سلوكه الجنوني شطر شعبه فكانت عمليات الأنفال البشعة والتي تخللها القصف الدامي لمدينة حلبجة، تصادف أن كنت مسافراّ من أربيل إلى بغداد واسترعى نظري بالقرب من قوش تبه، قافلة من الدبابات تتجه إلى إحدى القرى ومن خلفها الجرافات، كي تؤدي المهام القتالية الأشاوسية ضد هؤلاء القرويين البؤساء، تنفيذاّ لتوجيهات المهيب الركن والتي ينفذها بالحرف حاكم المنطقة علي حسن المجيد ، كانت التعليمات محددة (من الآن لاقرى في المنطقة الشمالية)، على جانبي الطريق كانت حقول الحنطة والشعير قد أحرقت وهي التي كانت على وشك الحصاد، وبدلا من لونها الذهبي تحولت إلى اللون الأسود الكئيب ليكون عنواناّ لسواد تلك الأيام، وفي أسواق أربيل رأيت الفلاحين يبيعون أغنامهم بأثمان بخسة، فلا طعام لتلك الأغنام ولا مأوى لهم ولا لأصحابها،كان إبن شقيقتي يعمل حينئذ مدرسا بكلية الطب جامعة صلاح الدين، وجاءني حزيناّ مبتئساّ يقص علىّ ماحدث في ذلك اليوم (وصلت إلى المستشفى الجمهوري اليوم سيارة نصف نقل عليها أجساد مكومة غائبة عن الوعي ووجهها شديد الإحمرار، مازالوا أحياء لكنهم في طريقهم إلى الموت، فقد تعرضوا للقصف بالغازات السامة، ولم يسمح لهم بدخول المستشفى فقد جاء الأمر بإعادتهم من حيث أتوا، وبالفعل أعيدوا دون إنقاذهم)، وبدأت الأخبار تتسرب حول هول ماحدث، سياسة الأرض المحروقة، فالأرض تحرق بما عليها من أي كائنات، والعجيب أنه تم الإعلان عن مسيرة إبتهاجية بما تم تحقيقه من نصر مؤزر على (الخونة) و(الزمرة العميلة)، وكان التجمع المعتاد أمام مقر فرع أربيل لحزب البعث العربي الإشتراكي، وفي الشرفة كان المناضلون يخطبون ويهتفون، دون أن تجد لهتافاتهم تلك أي صدى لدى الجموع المنكسرة قلوبها في الساحة،أذكر حينئذ أن طالباّ أعطى بالقوة صورة لصدام ليرفعها، ويقينا كان هذا الطالب له ضحايا في مذابح ومحارق الأنفال فألقى هذه الصورة إلى الأرض، وعلى الفور انطلقت رصاصات من بندقية أحد الأشاوس لتحصد حياته،كنت أعد الأيام بل والساعات وربما الدقائق والتي سأغادر العراق نهائياّ بعدها، وكان الأصدقاء الأحباء يسألونني متى تسافر وتفلت بجلدك وتتركنا في مصيبتنا ، وكنت أعلم أن سؤالهم ينطلق من حبهم لي والخوف على حياتي وحياة أسرتي،هي ذكريات حزينة ولاشك لن تمحوها الأيام من ذاكرتي حتى آخر العمر، كانت تلك الجرائم ترتكب والعالم صامت متشرنق في مصالحه، يبيع السلاح لكلا الطرفين المتحاربين ، ويبيع الغازات السامة لصدام ليقتل بها شعبه، أما الإعلام وخصوصا العربي فتلك حكاية أخرى.
رجائي فايد
puk