قبور مبدعينا في كل مكان بعيدا الوطن
حييت سفحك عن بعد فحييني
يا دجلة الخير يا ام البساتينِ
لقد بقي فعلاً بعيداً عن سفح دجلة وعن بساتين بغداد رغم انه اقرب ما يكون الى نبض قلوب العراقيين. وكذلك (عبدالوهاب البياتي) صاحب "قصائد على بوابات العالم السبع" و"بستان عائشة"، و"اباريق مهشٌمة"، و"سيرة ذاتية لسارق النار" هذه النار التي ظل حاملاً مشعلها حتى غادر دون ان نستطيع ان نقول له عن قرب وداعاً ودون ان نمنحه لغاية الان بقعة ارض ينام فيها نومه الابدي تحت ضلال النخيل. اما (بلند الحيدري) الانيق والجميل كما جملته الشعرية القصيرة المكثفة الرشيقة فكان حلمه كلما التقيته في لندن ان يعود الى كركوك والى كوردستان، لكنه رحل ذات يوم بصمت ليدفن في عـــاصمة الضباب .
و(نازك الملائكة) التي اسست للشعر العربي الحديث منذ اربعينات القرن الماضي والتي كتبت اروع رومانسياتها في "عاشقة الليل" وغيرها من الدواوين التي فتحت عيوننا على جمل شعرية جديدة غزيرة المعنى ورشيقة المبنى وكتبت بتميز عن قضايا الشعر المعاصر فقد عاشت وحيدة منعزلة في القاهرة حتى آن يوم رحيلها بعيداً عنا. وكان اخر المدفونين في الجانب الاخر من الكرة الارضية القاص والروائي (عبد الستار ناصر) المبدع و المناضل حيث احتضنته مقبرة في كندا.
اننا والغصة في قلوبنا والدمعة في عيوننا، نقول ان لا مبرر لبقاء الاضرحة هناك والذكرى هنا، ولا مجال لإيراد أية ذرائع فالمبدعون لابد ان يكونوا بيننا لان قبورهم في الواقع بساتين عطاء ومرابع تشبعنا أملاً وحباً اذ نزورها .
ان هؤلاء كلهم يستحقون ان يكون لهم متحف يوثق ويجمع ويؤشر لملامح حياتهم الحافلة بالإبداع والقادرة على التأثير في الاجيال الجديدة، فكما ان اثارنا النفيسة مسروقة ومن حقنا استعادتها، فأن قبور مبدعينا هي الاخرى تستحق ان نعيدها لتكون مزارع ثمار يانعة على تضاريس الوطن .
فوزي الاتروشي
PUK
