الصدر والقرار الصعب....................هادي جلو مرعي
ليس من شأن القرارات التاريخية أن تتوقف، أو أن يتردد من يتخذها لمجرد أن لصاحب القرار أتباعا، أو سياسيين يعملون في الحكومة والبرلمان، فالتاريخ لا يتوقف على أحد. بينما يصنعه الأفذاذ، أو من ينحدرون من أسر عريقة كأسرة آل الصدر.
الذين يطالبون السيد الصدر بالعودة عن قراره في الغالب هم ليسوا مخلصين في دعوتهم تلك، باستثناء الأتباع المخلصين والمحبين الواثقين. السياسيون يتحدثون عن مصالحهم وعن إحباطاتهم وعن رغباتهم غير المحمودة.
شجاعة السيد الصدر أنتجت قرارا صعبا ستكون له ارتدادات وانعكاسات على المشهد السياسي، وحتى القوى السياسية الفاعلة على الأرض والتي اختلفت وجهات نظرها من القرار آنف الذكر فإنها نظرت إليه بحسابات الربح والخسارة، وكانت في الغالب تخشى أن يكون ذلك القرار تدعيما لحضور المالكي في المرحلة المقبلة بعد فراغ الساحة الشيعية من المناوئين والمنافسين التقليديين والذين عاشوا تجربة عاصفة خلال السنوات التي تلت الاحتلال الأميركي للبلاد، ولم يكن تصريح السيد إياد علاوي بشأن مطالبته السيد الصدر بالعودة عن قراره إلا في إطار خوفه من خلو الساحة لنده المالكي، وكذلك فعلت قيادات سنية في البرلمان بتصريحات منفعلة.
بعد قرار السيد الصدر باعتزال العمل السياسي وإغلاق المكاتب التابعة له صار واضحا أن خيارات الشيعة محدودة برغم أنها واعدة لتحقيق حلم طال انتظاره من القيادات المخفية التي ما تزال ترى في وجود السيد الصدر تهديدا لوحدة الكيان الشيعي في ظل تداعيات الصراع الإقليمي وللطبيعة التي عليها التيار الصدري متمثلا برمزه الصدر ومحاولاته الدائبة لإظهار نفسه بمظهر المخالف للخط التقليدي ذاك، ونهجه التقريبي المغاير للنهج المعتمد من قبل مؤسسات شيعية كتلك التي تديرها الجمهورية الإسلامية في إيران. القوى الشيعية المنظمة في النجف وكربلاء وقم وطهران وبيروت، والامتدادات الطبيعية في السعودية والكويت والبحرين وسوريا وحتى تركيا ستعمل أجمعها لتأكيد وحدة القوى الشيعية العراقية تمهيدا لفتح الطرقات أمام نوري المالكي ليكون رئيسا للحكومة المقبلة. احتمالات ذلك قائمة من دون الجزم بها.. في حين سيضطر المجلس الأعلى الإسلامي للتماهي مع المشروع بعد انزياح قوى ناشئة جهة دولة القانون كـ"منظمة بدر والفضيلة ورساليون وأهل الحق" وستجد قيادات التيار الصدري أنها مضطرة لترتيب الأوراق من جديد، والتماهي مع القوى السياسية التي تتبنى الخط العقيدي لآل الصدر في سبيل المرور الى المرحلة المقبلة، وفي ظل التحولات الإقليمية الهائلة والصراع بين السنة والشيعة، والتكتل السعودي في مقابل التكتل الإيراني.
يرى مراقبون أن إمكانية عودة الصدر عن قراره واردة معتمدين على ما أصدره من قرارات تراجع عنها في الغالب، وهذا الأمر ليس مرجحا بالضرورة لاختلاف الظروف، ونتيجة التغيرات في المشهد السياسي العراقي، وطبيعة الصراع السائد في الإقليم، وليأس الصدر من الشخصيات السياسية التي دفع بها الى الحكومة والبرلمان، عدا الطبيعة التي يبدو عليها القرار والبيان الذي صدر عنه، فالبيانات السابقة كانت تعالج قضايا جزئية وليست كلية، ومنها ما كان متعلقا بالاعتكاف، أو موضوعة سحب الثقة عن الحكومة، أو تجميد جيش المهدي وقضايا مجتمعية، في حين تضمن البيان الأخير عناصر جامعة لكل تلك القرارات التي صدرت في السابق وبالتالي فالأمر لا يمكن أن يكون قرارا انفعاليا فحسب برغم تأثيره في آلاف الأتباع، وهو ما يتطلب تشكيل لجنة من كبار القيادات الدينية والسياسية التابعة للتيار الصدري لتحديد المسارات المقبلة ووضع الأمور في نصابها، وتهيئة سبل الاستمرار للأتباع، وتحصيل معايشهم، وترتيب ظروف ملائمة لهم في المرحلة الصعبة المقبلة.
اعيد نشره بالاتفاق مع جريدة (الصباح الجديد) البغدادية
