الحد من صناعة الموت.. كيف..؟
فالأرهاب فضلاً عن بعده التسلطي والتصفوي يمتلك أبعاد أخرى ، منها: سياسية وإقتصادية ومنها إجتماعية وفكرية ، ففي المجتمعات المستقرة والمتطورة من النواحي السياسية والثقافية ، تكون فرص ظهور الأرهاب ضئيلة جداً ، لأن الأرهاب يتفاقم ويتفشى في المجتمعات المفكلة وغير الناضجة فكرياً والضعيفة إقتصادياً.
فمن الناحية السياسية وحين تشتد حدة الصراعات بين أطراف متنافسة على السلطة ، يبرز الأرهاب رأسه ويتصيد في الماء العكر ، فالصراع السياسي الحاد أحد الأسباب الرئيسية لتفكك المجتمع وتفشي ظواهر غير مستحبة وممارسات خارج إطار القانون منها التكالب على المواقع الحكومية بغية المصلحة الشخصية وليست الخدمة العامة ، ففي ظل الصراع بين الأطراف السياسية تنمو البؤر الفاسدة التي لا تتوانى عن إستخدام العنف في سبيل الوصول الى مآربها ، فعدم الكفاءة في مجال إدارة دفة التنافس السياسي وعدم إمتلاك القدرة الأدارية والتنظيمية يؤديان لا محال الى لا إستقرار مجتمعي (أمنياً وسياسياً) وتفاقم ظاهرة الفساد والأرهاب معاً.
وفكرياً.. لا يمكننا أن ننكر بأن للأرهاب (فكر) بغض النظر عن نوعيته ومدى رفضناه له ، فالأرهاب يبث فكره سواء أكان بالترهيب أو الترغيب أو بأستخدام أساليب ديماغوجية أو اللجوء الى أساليب مسح الأدمغة ووسائل أخرى ليس مستبعداً أن تكون (المخدرات) من بينها ، لذا ينبغي مواجهة الأرهاب فكرياً (نظرية وتطبيقاً) وذلك بأشاعة المبادىء الديمقراطية وحقوق الأنسان وتوفير مساحات لحريات الرأي والتعبير وإحترام الآخر ، على أن تترجم المبادىء هذه الى واقع عملي وعدم الأكتفاء بالأحاديث والتصريحات والأدعاءات والعمل في الأوساط التربوية (المدارس والجامعات) والثقافية (الندوات والمطبوعات والكتب وغيرها) وتفعيل منظمات المجتمع المدني لنشاطاتها التوعوية بين الأوساط الشعبية.. عوامل في غاية الأهمية لأعداد إنسان عراقي متحضر ومتفهم لمقومات الديمقراطية وإحترام المقابل والتفاعل مع الآراء.
يظن البعض بأن ليس للأرهاب فكر ، والأرهاب ما هو إلا قتل وذبح وتدمير ، قد يكون هذا الظن في محله ، ولكن فضلاً عن هذه الحقيقة لا يمكن أن نتجاهل بأن الأرهاب يمتلك فكراً ولا نعني بقولنا هذا (الأرهاب الفكري) فهذا أمر آخر وموضوع آخر ، ما نعنيه بأن الأرهاب بأساليبه الدموية يسعى لفرض (فكر) معين وهو (فكر تكفيري) و(فكر إستبدادي) لا يؤمن بتعددية الأفكار وتفاعلها وكل من لا يؤمن بفكره مصيره الفناء.
وإقتصادياً.. فالحالة المعيشية للمواطنين وتطوير البنية التحتية للمجتمع وتوفير الخدمات الحياتية ــ اليومية للمواطنين ، تعد من أهم العوامل الأساسية للحد من ظاهرة الأرهاب ، فالأرهاب ينتعش ويتفشى في المجتمعات المتخلفة ، فمع وجود إنتعاش إقتصادي وثقافي وتطور إجتماعي.. تختفي العناصر البشرية الموالية لفكر الأرهاب وتتوفر مساحات واسعة للفكر الديمقراطي ــ الأنفتاحي ، فالعدالة الأجتماعية التي هي أحد الأهداف الرئيسية للديمقراطية وتكافؤ الفرص وإشباع الحاجات الذاتية الموضوعية سيؤدي لا محال الى مجتمع مستقر وبناء دولة عصرية مبنية على إحترام مباديء حقوق الأنسان وعدم التمييز بين المواطنين بسبب القومية والأنتماء الديني والطائفي والمذهبي والعرقي.
فثمة عوامل أخرى منها ما هو متعلق بالتوجه نحو القرى والأرياف وتطويرها وإيصال الخدمات الضرورية لها ، والقيام بحملات توعية فيها ، فضلاً عن زيادة المواقع الترفيهية والسياحية وأمور أخرى تصب في مجال صناعة الحياة والحد من صناعة الموت التي يسعى الأرهاب لرواج منتوجاتها.
خالد بكر أيوب
PUK
