قيام كردستان الكبرى
وبعد الانتصارات الأخيرة التي تحققت ضد قوىً إسلاميةً أواخر تشرين الأول/ أكتوبر ومطلع تشرين الثاني/ نوفمبر الماضيين، أقدم القادة الأكراد في سوريا أخيراً على اتخاذ الخطوة التالية، حيث أعلنوا عن قيام (حكومةٍ انتقاليةٍ ذات حكمٍ ذاتيٍ) للمنطقة الكردية من سوريا. وكان واضحاً تماماً أنّ الخطوة هذه لم تكن مجرد إجراءٍ مؤقت، فالإعلان نفسه أكّد بأنّ الخطوة هذه ستتبعها قريباً انتخاباتٌ يتم تنظيمها لانتخاب حكومةٍ طويلة الأمد.
هذا التطور أحدث عدم ارتياحٍ في العواصم المجاورة، ففي الوقت الذي يبدو فيه الأسد قد استبعد تماماً القيام بأي محاولةٍ لاستعادة السيطرة على المنطقة الواقعة في الشمال الشرقي، على الأقل حتى يكون قادراً على قمع حركة التمرد السُنية العربية الأكبر والتي تسعى للإطاحة بحكومته، تقلق كلٌ من أنقرة وبغداد مما قد تحمله ولادة كيانٍ جديدٍ سياسيٍ كرديٍ مستقلٍ بالدرجة الأساس من مضامين على أوضاع بلديهما.
ويبدو القادة الأتراك غير متأكدين وبصورةٍ متزايدةٍ من كيفية التعامل مع القضية الكردية، فأنقرة خاضت كفاحاً مسلحاً لسنواتٍ ضد انفصاليين داخل البلاد يقودهم حزب العمال الكردستاني (PKK)، وكان المسؤولون الأتراك غير سعداء وبشكلٍ ملحوظٍ عندما استغلت القوات الكردية في العراق قرار الولايات المتحدة في فرض منطقة حظرٍ للطيران فوق المنطقة الشمالية للعراق خلال التسعينات لإقامة منطقة حكمٍ ذاتيٍ هناك.
ولكن، خلال الأعوام القليلة الماضية، قامت حكومة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان باتخاذ جهودٍ أكثر جديةٍ للتعامل مع المشاكل الكردية الداخلية في تركيا من خلال العملية السياسية وليس القوة الغاشمة فقط. كما أصبحت علاقة أنقرة مع حكومة إقليم كردستان العراق أكثر بروزاً وتطوراً مما كانت عليه من قبل. في الواقع، تُواصل العلاقات الاقتصادية بين تركيا وكردستان العراق النمو بسرعةٍ نشيطةٍ جداً، حيث تنظر الشركات التركية الى كردستان على أنها المنطقة الأكثر جاذبيةً للاستثمار، كما أنّ خطوط الأنابيب الممتدة بين شمال العراق وتركيا مخارج أساسية لتسويق إنتاج كردستان من النفط. وبالتالي فإنّ مكونات علاقةٍ تجاريةٍ مثمرةٍ تعود بالنفع على الطرفين حاضرةٌ وبشكلٍ واضح. لكنّ الاعتبارات الأمنية أيضاً قد تدفع أنقرة الى تبنّي موقفٍ أكثر مرونةً تجاه حكومة إقليم كردستان، ففي ظل عودة العنف الى الظهور في أماكن أخرى من العراق، يبدو بعض الأتراك الآن ينظرون حتى الى منقطةٍ مستقرةٍ مسالمةٍ تحكمها حكومة إقليم كردستان على أنها منطقةٌ حاجزةٌ محتلمةٌ بين تركيا و(بقايا) عراقٍ فوضويٍ. وفي الوقت نفسه، لا يشعر القادة الأتراك بالارتياح حيال ظهور كيانٍ سياسيٍ كرديٍ آخر قائمٌ بحكم الواقع على تخوم حدود بلادهم، فحتى قبل الإعلان الرسمي عن حكومةٍ انتقاليةٍ ذات حكمٍ ذاتي ٍ للمنطقة الكردية من سوريا، حذّر المسؤولون في أنقرة من أنّ الإقدام على مثل هكذا خطوة أمرٌ غير مقبول، حيث أكد نائب رئيس الوزراء التركي بولينت آرنيك على أنّ بلاده ملتزمةٌ بوحدة الأراضي السورية وأوضح بشكلٍ واضحٍ بأنّ حكومته لن تتسامح مع قيام منطقةٍ كرديةٍ ذات حكمٍ ذاتيٍ على التراب السوري، حيث يخشى المسؤولون الأتراك من أنّ مثل هذا الكيان السوري، وخلال فترةٍ ليست بالطويلة، سيندمج مع أخيه العرقي في العراق لتشكيل كردستان الكبرى، وهذا التطور بحد ذاته قد يصبح مغناطيساً سياسياً لا يمكن مقاومته للأقلية الكردية الموجودة في تركيا نفسها.
تبدو سياسة أنقرة حيال القضية الكردية الآن منقسمةٌ، وحتى مشوشةً قليلا. لكن على الأقل يحاول المسؤولون الأتراك التعامل مع عودة القضية الكردية إلى الظهور على أنه مصدر اهتمامٍ رئيسيٍ في الشرق الأوسط. أما المسؤولون الأميركيون، من جانبٍ آخر، فهم يتصرفون وكأنهم قد أُخِذوا على حين غُرة. فثمة إشاراتٌ قِلةٌ على سياسةٍ مترابطةٍ منطقياً، بالرغم من الأدلة المتزايدة على أنّ (القضية الكردية) أخذت تصبح وبشكلٍ متواصلٍ عاملاً أكثر بروزاً وأقرب الى احتمالية أن يتسبب في إحداث أضرار. وتواصل واشنطن وبشكل ٍرسميٍ دعم النظام القائم في بغداد بصفته الحكومة الشرعية لجميع العراق، حتى إن كانت تلك الحكومة لا تمارس سلطةً ذات معنى على الشمال الكردي، كما تُعلن إدارة أوباما مشاطرة أنقرة التزامها بوحدة أراضي سوريا وسيادتها، حتى إن كانت البلاد تمر بحالة تشظي والمنطقة الكردية في الشمال الشرقي تتحرك سريعاً صوب الاستقلال بحكم الواقع.
علينا أن نعترف بأنّ القضية الكردية تُمثل مشكلةً دبلوماسيةً شائكةً بالنسبة لواشنطن. فالمكوّن الكردي في العراق هو بسهولةٍ المكوّن الأكثر ديمقراطيةً والأكثر مناصرةً للرأسمالية والغرب في تلك البلاد المضطربة. وبالرغم من أنّ الوقت مبكرٌ جداً لنجزم بهذا، فإنّ أكراد سوريا يبدو أن لديهم توجهاً مشابهاً. لكنّ البلدان الموجودة في الشرق الأوسط قلقةٌ كثيراً من مضامين نشر الحكم الذاتي الكردي، وواشنطن مترددةٌ في تجاهل (بل أبعد تماماً عن أن تستبعد) اعتراضات هذه البلدان.
إنّ قادة الولايات المتحدة بحاجةٍ لأن يسألوا أنفسهم فيما إذا كانت السياسة الحالية في الإصرار على عراقٍ موحدٍ وسوريا موحدةٍ مُجردةً الآن من أي ارتباطٍ بالواقع على الأرض. فالتفكير بإقامة روابط مع كردستان مستقلة تمتد عبر الحدود بين العراق وسوريا ستجعل حكومات سوريا والعراق وتركيا بلا شك غير سعيدةٍ. لكنّ واحداً من الاختبارات الحاسمة لمؤهلات رجل الدولة هي أن يدرك الوقت الذي تُصبح فيه سياسةٌ قائمةٌ واهية. وعلى القادة الأميركيين أن يبدأوا على الأقل بالتفكير فيما إذا كان ذلك الوقت قد حان فيما يتعلق بالقضية الكردية.
تيد غالين كاربنتر.. ترجمة صحيفة العالم
PUKmedia
