الكورد السوريون يغازلون التركمان
في لقاء مع المونيتور عبر سكايب، صرح صالح مسلم عن قلقه إزاء الهجمات التي تشن على التركمان من قبل الدولة الاسلامية في الشام والعراق(داعش)، التي تم طردها من قبل تنظيم القاعدة قبل عدة ايام مضت، لكنها مع ذلك تتبع تكتيكاته الإرهابية الدموية. فقال مسلم:" جميع الناس في سوريا هم أخوتنا . وأبوابنا مفتوحة على مصراعيها للتركمان . نحن ننتظرهم للاتصال بنا".
في حال تذكرنا ان التركمان حتى الصيف الماضي – موجهين بشكل رئيسي من قبل انقرة- كانوا يحاربون الكورد جنبا لجنب مع الجيش السوري الحر وجبهة النصرة، فمفهوم مسلم " للتسامح" و "الاحتضان" يمكن ألا يبدو عاديا، لكن من الجوانب السياسية الحقيقية فهو يعتبر دهاء لامتناهي.
هنا يكمن السبب، فالكورد الذين أعلنوا مؤخرا عن " حكم ذاتي انتقالي" بإقامة ثلاثة كانتونات منفصلة تقوم بتجنيد أعضاء من المجموعات العرقية والطائفية المتنوعة – متضمنة السريان والارمن والايزيديين والعلويون- كجزء من سعيهم لتعزيز شرعيتهم.
في حال تمكن هؤلاء الكورد تحت قيادة حزب الاتحاد الديمقراطي من النجاح في جذب التركمان لصفوفهم، فمن المحتمل ان يكون ذلك نصرا دعائيا ساحقا.
ذلك لأن وجود التركمان سيساعد في التغلب على الشبهات الواسعة الانتشار التي تتمحور حول هدف الكورد الحقيقي بتأسيس كيان كوردي منفصل.
الاكثر اهمية من ذلك، بلمحة سريعة على الخريطة، سوف يظهر ان التحالف مع التركمان سيشكل نصرا استراتيجيا في هذا المجال.
فالتركمان، كما الكورد، مبعثرون حول سوريا بسبب سياسات الاستيعاب القسرية لنظام البعث ومن اجل اسباب اقتصادية.
ولا زالوا يحتفظون بوجود متجانس بشكل رئيسي في منطقة باير في شمال اللاذقية، وهي مجموعة من القرى بين محافظة هاتاي التركية والبحر الابيض المتوسط.
بالنسبة للكورد السوريين الذين يهدفون الى بسط سيطرتهم على المستوطنات العربية التي تقسم كانتوناتهم، فمنطقة باير جوهرية ايضا بالنسبة لحلمهم في الوصول الى البحر المتوسط.
ينطبق نفس الشيء على داعش .
كما كنت قد كتبت في طرف اليومية، هذا هو السبب وراء شن داعش لحملة ارهابية مكثفة لطرد تركمان باير من المنطقة.
ان داعش التي بسطت سيطرتها في وقت سابق على بلدة اعزاز الحدودية حيث يتعايش الكورد والتركمان مع العرب قد استولت مؤخرا على بلدة كوباني حيث الاغلبية التركمانية.
لتلافي مواجهة شبح اراقة المزيد من الدماء، فر آلاف التركمان الى تركيا.
تحت وطأة هذه العوائق، كيف يجب أن يرد التركمان على اقتراحات مسلم؟ إن الرد المعقول على هذا السؤال غير ممكن من دون التطرق الى سياسة تركيا في سوريا ومفهومها التاريخي للتركمان.
كتب مراسل الشؤون الخارجية المحنك لقناة الاخبار التركية الخاصة NTV ميتي جوبوجكو تغريدة مثيرة في الاول من شهرشباط:" يبدو ان العملية لإيجاد موافقة من أجل القوات المسلحة التركية لدخول سوريا قد بدأ".
إن العملية التي لمح إليها جوبوجكو كانت على الارجح الضجة الاخيرة التي اثيرت من قبل حكومة حزب العدالة والتنمية التركي بشأن تركمان سوريا وتزايدت نشاطات الجيش التركي على طول الحدود السورية.
لقد علمنا على سبيل المثال، من تقرير صحفي في جريدة صباح اليومية المؤيدة للحكومة ان قذيفة الهاون التي اطلقتها داعش عند اشتباكها مع الجيش السوري الحرقد وقعت قرب حدود كوباني على الجانب التركي.
لاحظ التقرير موافقا ان الجيش قد رد " أكثر "، مدمرا قافلة من عربات داعش في العملية.
في الواقع، تحظى دراما التركمان التي تم تجاهلها لزمن طويل بالمزيد من التغطية في وسائل الاعلام التركية، وقد شددت الحكومة لهجتها فيما يتعلق بالتهديد الذي يفرضه داعش عليها.
هنا ما قاله وزير الخارجية التركي احمد داوود اوغلو مؤخرا حول موكب عربات داعش الذي تعرض لضربة : " نحن حذرون جدا بعدم التدخل في سوريا حتى الآن، لكن التهديد يقترب اكثر فاكثر .
من المسؤول عن هذا ؟ انه نظام بشار الاسد.
في حال كانت مهمة الامم المتحدة هي الحفاظ على الامن الدولي، والسلام والاستقرار، فهذا هو الوقت المناسب للقيام بذلك . واذا لم تكن قادرة على فعل ذلك الآن فمتى ستقوم بذلك؟".
هناك من يفسر تصريحات داوود اوغلو على انها دعوة جديدة الى المجتمع الدولي للتدخل العسكري في سوريا مشيرا الى تهديدات تنظيم القاعدة.
(حين اقول تدخل، فأنا ألمح الى صيغ مثل "تطويق وقائي" او منطقة حظر طيران، او كليهما). كما فسره نائب الحزب المعارض الرئيسي، حزب الشعب الجمهوري محمد سكر مؤخرا، فقد تم التلاعب بوجهة نظر التركمان وذلك لكسب تأييد الرأي العام التركي الذي لا زال معارضا بشكل ساحق للتدخل التركي في سوريا عن طريق جذب العطف القومي .
ألم يتم تطبيق نفس السيناريو مع تركمان العراق كذريعة من اجل التدخل ضد الكورد في شمال العراق؟
ربما يكون مبالغا في وجهات النظر هذه لكن هناك شيء مؤكد، وهو أن التركمان يستخدمون كوسيلة مفيدة لتحويل الاهتمام عن مزاعم الفساد الكبيرة التي تهز الحكومة.
ان المثال الاكثر واقعية لهذا كان الحالة الاخيرة لاعتراض قافلة من الشاحنات بالقول انها كانت تحت حماية وكالة المخابرات القومية، منظمة الاستخبارات القومية(MIT).
تصر الحكومة انه تم ايقاف القافلات لتخضع لتفتيش من قبل اعضاء من قوات الامن الذين تلقوا اوامرهم من عدوها المعلن حديثا، رجل الدين السني فتح الله غولن المستقر في الولايات المتحدة.
زعم وزير الداخلية افقان آلا ان حمولتهم كانت عبارة عن " مساعدات للتركمان السوريين".
لكن التركمان اعلنوا انه لم تصلهم اية مساعدات من تركيا.
كيف ينبغي على التركمان الاستجابة للاقتراح الكوردي؟.
بالعودة الى السؤال المطروح في بداية هذا المقال، تحدثت مصادر كوردية سورية الى المونيتور زاعمة ان الكورد قد قدموا اقتراحا للتحالف مع التركمان في وقت سابق لكن تركيا قد منعته.
اكد مسلم في مقابلتنا ان " بعض التركمان قد انضموا الى الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، وحدات حماية الشعب". انا ناقشت هذا مع زياد حسان قائد الحركة التركمانية الديمقراطية السورية الذي يعيش في اسطانبول.
قال حسان ان الادعاء بأن التركمان قد انضموا لوحدات حماية الشعب كانت " كذبة" لأنه غير وارد قط بالنسبة للتركمان ان يتحالفوا مع حزب الاتحاد الديمقراطي .
فقال حسان :" ان حزب الاتحاد الديمقراطي لايختلف قط عن حزب العمال الكوردستاني " مضيفا ان التركمان كانوا " دائما الى جانب تركيا وكانوا ينتظرون المساعدة العسكرية.
حتى الحكومة لم تعد تزعج نفسها بإخفاء حقيقة ان تركيا تزود المعارضة السورية بالدعم العسكري واللوجستي المحدد .
الكل يعلم الآن ان تركيا قد تصرفت كوسيط للاسلحة التي تدفقت من السعودية وقطر وليبيا الى المعارضة السورية المسلحة. وما كانت النتيجة؟ حل المتطرفون محل مايدعى بالمعتدلين .
لا يزال القائد السوري متهما بشدة. في هذه الاثناء، كشف ضباط تركمان ان الجيش السوري الحر قد تم تكليفه بتسليم الاسلحة الى التركمان ولم يقوموا بذلك بعد.
من المستحيل التنبؤ حتى بما سيخلقه التسليح السخي للتركمان اكثر من استفزاز لداعش وقوات النظام لملاحقتهم بشراسة اكبر.
هل ستضطر تركيا عندها للتدخل نيابة عنهم؟ في حال حدث ذلك، فالاتراك كما التركمان سيجدون انفسهم منجرفين في مستنقع دموي.
ايمن جواد التميمي، وهو عضو في منتدى الشرق الاوسط الذي اشتهر بسرعة بفضل البحث الذي اجراه حول المجموعات الجهادية في سوريا، قال ان داعش لا تتمتع برفاهية حتى تقوم بفتح جبهة جديدة ضد تركيا.
التميمي تواصل مع المونيتور عبر البريد الالكتروني، وقال ان تهديدات داعش ضد تركيا كانت " وهمية".
في حين كان وجود داعش كما زعم التميمي، تهديدا فورياعلى المدى الطويل، فوجوده الراسخ على طول الحدود التركية يفرض خطرا امنيا على تركيا والمنطقة.
لأن التركمان غير قادرين على الدفاع عن انفسهم، فالطريقة الاكثر ضمانا بالنسبة لهم هو ان يتجنبوا محوهم بعقد اتفاقية مع الكورد، هذا فضلا عن انهم ربما يجدوه شيئا مريرا، ان يشاركوا في ادارتهم الانتقالية.
هذا سيكون كفيلا بضمان أمنهم، وسيكون كلامهم مسموعا بشأن الاقاليم المستقلة فيما يطلق عليه كورد سوريا ب "روج آفا".
بدلا من انهاء التحالف، يجب على انقرة ان تدعمه بحكمة.
تركيا التي كانت حتى البارحة تغيظ التركمان ضد كورد العراق، اليوم تتبجح بهم " كشركاء استراتيجيين". من يتذكر تركمان العراق؟ انه أمر محتوم ان يتطور وضع مماثل بين تركيا وكورد سوريا. كل ما تحتاج القيام به هو إلقاء نظرة على الخارطة.
عمبرين زمان
PUKmedia
