حقبة العصابات الدينية........................... جمال جصاني
من التفت لهذا الأمر الجلل الذي بسط هيمنته المطلقه على مصائر البشر والحجر لأكثر من أربعة عقود من تاريخنا الحديث. لا أحد تتلبسه حمى الفضول لمعرفة شيء عن المناخات والشروط والبيئة التي تعيد انتاج سلالات قطاع الطرق في هذه المستوطنة القديمة. عصابة (جهاز حنين) تفسخت بعد ظهور شبح أول دبابة على أحد جسور بغداد. لكن لم يمر وقت طويل حتى استردت الورش النائمة حيويتها لتعيد انتاج أجيال جديدة من العصابات والمجاميع الاجرامية، وهذه المرة أشد فتكاً من التي قضت نحبها، لتشرع الأبواب أمام العصابات الدينية، والتي تبيح لها تأويلات مومياءات ما بعد الحداثة والقيح الهائل من الفتاوى العابرة لزجر الزمان والمكان، ارتكاب فصول لا مثيل لها من الاجرام والارهاب بحق من حاولت وصايا السماء عبثاً تكريمه ذات يوم.
لم يكن أمر تبوأ البلطجي الاردني أحمد فاضل نزال الخلايلة والذي عرف لاحقاً باسم (ابو مصعب الزرقاوي) الموقع الأول في تنظيم القاعدة الارهابي في بلاد الرافدين سهواً أو مجرد مصادفة عابرة. كما ان وصول غير القليل من (أوباش الريف وحثالات المدن) الى مواقع السلطة والقرار في الدولة أو المجاميع المسلحة والمليشيات لا يمت للمصادفة بصلة. ان هذه السلاسة في انتقال راية (الرسالة الخالدة) من جيل الى جيل آخر من سلالة قطاع الطرق وقراصنة المنعطفات التاريخية، يستند الى بنية مكينة واحتياطيات هائلة من الثوابت والعادات والتقاليد والقيم لا بد من فك طلاسمها وهيروغليفياتها، ان بقي لدينا شيء من الأمل في العيش خارج أسوار متحف المنقرضات.هذه الشبكة من البنى المادية والقيمية التي تعيد ترميم الهيمنة المطلقة للعصابات وجماعات الفتك والاجرام، وبالتالي استمرار مسلسل هزائمنا وغربتنا عن عالم القرية الكونية الذي يزداد فيه بني البشر اندماجاً وتراصاً،تحتاج منا الى وقفة اخرى متحررة من حمولات ثوابتنا من الخوف والذعر والاذلال التي رافقتنا طوال أكثر من ألف عام وعام.
ان عمليات انتقال الهيمنة هذه بين سلالات القراصنة، والتي شاهدنا شيئاً من فصولها في الموجة الاولى من (الربيع العربي) تقتضي من المنتسبين لنادي الانتلجينسيا تفكيك بعضٍ من الشروط التي تجعل من ذلك الموروث الديني ملاذاً آمناً ومحبباً لأوغاد هذه الأوطان القديمة، كي نتمكن من تقليص حياة الدورة الجديدة من حكم العصابات الدينية.
