• Wednesday, 04 February 2026
logo

ناظم رمزي ودوره في الحداثة العراقيّة*..........................إسماعيل زاير

ناظم رمزي ودوره في الحداثة العراقيّة*..........................إسماعيل زاير
بداية لا بد من أن نشخص حقيقة مُرة على مستوى الحركة الإبداعية العراقية وهي: انّ نعي ناظم رمزي يعني بحد ذاته نعياً لمرحلة باهرة وتأسيسية للحداثة العراقية. فناظم رمزي انحدر من سيل الفنون العملية والتطبيقية إلى نهر الإبداع العراقي الجارف. مندفعاً بدهشته الطفولية وخبرة يديه وبصره إلى عالم المرجعية العبقرية للرواد العراقيين.


ومن دون تردّد نقول انه أدرك بحسه الفريد انّ له دوراً يمكن أن يؤديه بين طليعة المبدعين الأوائل واتخذ لنفسه المكان الذي كان ينتظره الرواد. وجاء اندماج رمزي بالحركة الفنية في لحظة مناسبة تماماً في الزمان والمكان مما سمح له أن يطلق جناحيه مع أجنحة الريادة العراقية ويكمل مع بقية السرب الرائع مسار الطيران المرسوم . فقد كانت فنون الستينيات تشهد تفتح الدور الطباعي والجرافيكي في الفنون العالمية، وكانت المفردات اليومية لعمل ناظم رمزي مثار اهتمام واستغلال الكثير من مبدعي العالم ومن بينهم الفريق الأول للريادة العراقية.
نعي رمزي انما هو نعي لقيم أوشكت على الاندثار بفعل فاعل هو التخلف الفكري المرافق للآيديولوجيات التي سعت الى حصر نوافذ التنفس أمام الفنانين وجعلها ضيّقة ومحكومة بأشكال محدّدة فكرياً وأيديولوجياً على حساب حرية الفن والفنان.
وحيث انّ رمزي كان طوال حياته مرتبطاً بمفهوم الحرية والخبرات المتأتية من نمو وتطور حساسية المبدع تجاه مادته ومقدرته على التجريب، فقد عكست نتاجاته اللاحقة معاناته الشاملة من التضييق بفعل عالم الابتذال السياسي للفنون، وهي مرحلة عانى منها العراقيون طوال عقود من الزمن.
ان ابداع ناظم رمزي هو نتاج العقلية الخلاقة للجيل الذي عاش بين ظهرانيه. وهو جيل نظر بالتقدير العالي لأدوار رمزي وأمثاله في مجالات أخرى كالشعر والرسم والموسيقى والنحت وغيرها من مجالات الإبداع. ولهذا نرى ان السلطات السياسية ومواليها من العاملين في مجال الفن عجزوا عن فهم الآلية التي كان بالوسع اتباعها للتعايش مع الكثير من الناشطين في حقول الفن الكبرى.
ان فنون الطباعة بحد ذاتها لم تكن لها انعكاسات كبرى في بلاد الشرق؛ نظراً لأنها كانت تعتمد تقانات غير شعبية، فالمجالات التي تستعمل فيها اقتصرت على الكتب والمجلات والمطبوعات المحدودة. ولكن المبدعين الأصلاء كما هو الراحل ناظم رمزي لم يربطوا أنفسهم ونشاطهم بتلك الوتيرة المملة للطباعة، بل انطلقوا الى عالم الحداثة الإبداعية المرتكزة على الابتكار والتنويع والتجريب. وتغذوا مثل أقرانهم في الريادة البصرية كجواد سليم وجيله المميز ومن جاء في مسارهم كضياء العزاوي والراحلين جبرا ابراهيم جبرا وبلند الحيدري ورافع الناصري وابراهيم زاير ويحيى الشيخ وعشرات غيرهم مانحين المحاولات التجريبية في مجال التصميم الطباعي والتطوير التقاني لعملية الطباعة بالتصميم الحديث روحاً حية أسهمت في الارتقاء بالصيغة التي ظهرت بها الجهود الطباعية الواسعة.
نقل رمزي فن الطباعة الى مصاف الفنون الأخرى المساندة والمعززة لبقية أنماط الفن وساعدته علاقاته بالفنانين الكبار وتجربته الخاصة وخبراته المكتسبة على أن ينافس فنون الطباعة المتطورة في الغرب كما شهد له المتخصصون في أكثر من مناسبة.
ولكن هذا الكائن العراقي الأصيل الذي اتبع خطى جيل الريادة التقدمية متجاوزاً القيم المشوهة للسياسة لم يخرج من حياته من دون ندوب وجروح في الجسد والروح وجرى اعتقاله لأسباب تافهة وكما جرى لأصدقاء كثر من أصدقائه العاملين في قلب مشروع الحداثة العراقية. وأعود الى الذكريات التي نشرت عنه والمذكرات الملهمة لبعض أصدقائه المقربين ولا سيما العزيز جاسم المطير، وربما آخرون عبروا في أكثر من مناسبة وعبر أكثر من طريق عن الروح الشفافة لهذا المبدع العراقي الفذ.
عبر ناظم رمزي، وهو المتحدر من أصول كردية، سدود القومية الضيقة والفكر التلقيني لآيديولوجيات سادت العالم ومن ثم بادت، ونثر على امتداد العقود التي عاشها في العراق رحيق الولاء والإخاء الإنسانيين. وتدخل في مفاصل عديدة من حياة أصدقاء مقربين وبعيدين حتى ليقدم يد المساعدة الحاسمة في الخروج من المأزق الفاشي الذي وضعهم فيه حكام جهلة لم يضعوا للقيم التي آمن فيها أي اعتبار.
ان من المحزن للغاية ان نواجه نحن ضحايا السياسات المتخلفة التي تحكمت بمصائر بلدنا خسران هذه الرموز المشرفة من اجيال الإبداع العراقي المشهود من دون أن نكون قد أنصفناهم وعاملناهم بما يليق بهم في الوطن الذي أنجبهم ووسط طلابهم وتلاميذهم ومقلديهم. اليوم ونحن نستذكر ناظم رمزي يتعين علينا أن ننتهز الفرصة التأريخية لرسم برنامج وطني لجمع تراث الحداثة العراقية وتوثيقه وتشخيصه بما يسمح للنقاد والمتابعين والدارسين أن يلحقوا بما فاتهم من انجازات شكّلت الملامح الحقيقية للجهد الإبداعي في بلاد الرافدين في المرحلة الراهنة.

* نصّ المادّة التي ألقاها الزميل رئيس تحرير "الصباح الجديد" في حفل استذكار الفنّان الرائد ناظم رمزي، والذي نظّمته مؤسّسة "برج بابل" بالتعاون مع وزارة الثقافة.
عنوان فرعيّ:
،، ونحن نستذكر ناظم رمزي يتعين علينا أن ننتهز الفرصة التأريخية لرسم برنامج وطني لجمع تراث الحداثة العراقية وتوثيقه وتشخيصه بما يسمح للنقاد والمتابعين والدارسين أن يلحقوا بما فاتهم من انجازات شكّلت الملامح الحقيقية للجهد الإبداعي في بلاد الرافدين في المرحلة الراهنة ،،
Top