المتدين وغير متدين.........................أحمد سعداوي
ما يحدث عادة هو أن من يمتلك مصدر قوة ما يسعى لفرض خياراته الخاصة، باستعمال القوة، على الآخرين المخالفين والمغايرين له، ويستوي في ذلك الجميع. فالكل يعتقد أن مبادئه وقناعاته فيها من السمو والرفعة ما يتجاوز ما لدى الآخرين، والكل يعتقد أن من حقه أن يفرضها على الآخرين. الكل يعتقد أن الآخر على خطأ، ومن الصواب ارغامه على قبول "الصواب".
لقد مرت علينا عقود كانت فيها سمات التدين علامة شبهة سياسية، وهذا ما جعل "الاسلاميين" في العالم العربي ملاحقين ومطاردين، يملأون السجون أو المنافي. واتذكر شخصياً كيف تم اعتقال شاب من الجيران في الثمانينيات لمجرد أنه كان يواظب على طقوس الزيارة الشيعية وقراءة الكتب الدينية، وتم الصاق تهمة معاداة النظام به جزافاً.
ولكن، كم هو غريب ومثير أن هذا المتدين، الذي كان ينفي عن نفسه تهمة النشاط السياسي الاسلامي ويدّعي أنه مجرد مواطن يواظب على الطقوس الدينية، سرعان ما تحوّل الى سلطة تلاحق "غير المتدينين"، وتلصق بهم التهم المختلفة، ويندفع غير المتدين الى استعمال الوسائل ذاتها التي كان يستعملها المتدين سابقاً لحماية نفسه، فيستعمل "التقية"، ويخفي مواقفه ومشاعره، ويشرع في الدفاع عن نفسه ازاء تهم المتدين، بأنه لا يستهدف الدين ولا يسعى لإشاعة الفواحش أو غيرها من التهم الجاهزة التي تستند في الحقيقة الى مصدر قوة جديدة، انتجها صعود التيارات الاسلامية الى الواجهة وقبضها على السلطة.
في السياق ذاته يحدث إنقلاب مفاجئ في الساحة السياسية في مصر، فيفقد الاسلاميون السلطة فجأة، ويتم اقصاؤهم بشدة، ويجري التشهير بهم، وتحويلهم، بين ليلة وضحاها، الى شياطين ومردة، ويعود "غير الاسلامي" ليمارس سطوته وسلطته، بحيث أن آخر محاكمة للرئيس المخلوع محمد مرسي شهدت تظاهرات أمام باب المحكمة، ولكن من مؤيدي الجيش، لأن مؤيدي مرسي لم يعودوا قادرين على الظهور علناً خشية من الاعتقال.
جوهر المشكلة هو عدم القدرة على التعايش مع الآخر، وليس شكل النظام إن كان اسلامياً او غير إسلامي.
نشر بالاتفاق مع جريدة(الصباح الجديد) البغدادية.
