عقلية "المغص".. لا تبني العراق.......................سالم مشكور
يؤلمني ان أرى الاتصالات، وهي عصب الحياة العصرية وعماد الاقتصاد والتعليم والتجارة والثقافة وبقية مناحي الحياة، ما زالت متخلفة فيما هي متطورة في كل بلدان العالم والمنطقة، حتى الصومال وأفغانستان. ما زالت خدمات الهاتف النقال عندنا تعود الى مرحلة العقدين الماضيين فيما يعرف بالجيل الثاني، الذي تقتصر خدماته على الصوت والرسالة المكتوبة، فيما العالم كله يستخدم تقنيات الجيل الثالث الذي يوفر فرص تبادل المعلومات وتوفير خدمات الانترنت السريع عبر جهاز الهاتف وعلى كل الاجهزة المحمولة بل وحتى الثابتة. الادهى ان كثيراً من دول العالم والمنطقة بدأ ينتقل الى تقنيات الجيل الرابع في الاتصالات والتي توفر إمكانيات أكبر لتبادل المعلومات بما ينعكس إيجابا على أغلب مناحي الحياة.
ليس العيب في شركات الهاتف النقال. فهي مستعدة تقنيّاً، وتنتظر فقط السماح لها باستخدام الترددات الخاصة بهذه التقنيات. العيب في الروتين والضوابط القاتلة المعرقلة للعمل. العيب في الخوف من الاتهامات بالفساد والملاحقة للمسؤولين وهدر كراماتهم، على الوشاية والشبهة فيلجأون الى دهاليز مظلمة من الضوابط والاجراءات الاحتياطية التي لا تفعل سوى اعاقة اي انجاز. العيب في العقلية الرسمية التي ما زالت في الكثير من مفاصل سلوكها تكشف كرها للقطاع الخاص والنظر اليه – في أحسن الاحوال – على انه بقرة حلوب نحاول ان نسحب منها ما أمكن من الاموال من دون التفكير بنوع وقيمة الخدمات التي توفرها للجمهور. العيب في عقلية الجباية التي تحكم تفكير وسلوك الكثير من المعنيين والذين يهمهم ما يحققونه من وارد لخزينة الدولة للتباهي به في الاعلام، وليس بما يقدم للمواطن من خدمات تسهل حياته، وللبلاد عموما ما يوفر مستلزمات تطورها. العيب أيضا في محدودية ذهنية يعاني منها الكثير من المسؤولين لدرجة ان أحدهم، وهو عضو في لجنة تقرر اقتصاد البلاد- يتساءل مستهزءاً: وهل سيصيبنا المغص إذا لم نأت بخدمات الجيل الثالث؟
خدمات الجيل الثالث باتت تقنية قديمة في أكثر بلدان العالم، ونحن ما زلنا نناقش، وعلى أعلى المستويات: هل نوفرها أم لا. وإذا قررنا، نسلك كل الطرق والاجراءات التي تعرقل أو تؤخر توفرها، بحجة الالتزام بالضوابط والتعليمات البالية.
من وراء إعاقة بناء البلاد؟ هل السبب فقط في أطراف لا تريد عراقاً عامراً، أم هو أيضا في جهلٍ وخوفٍ وعوقٍ وتعليمات وضوابط لا تفعل سوى هدر المال والجهد والوقت؟.
لن يبنى العراق هكذا..
- اعيد النشر بالاتفاق مع (الصباح الجديدة) البغدادية.
