• Friday, 06 February 2026
logo

الابراهيمي والأنفاس الأخيرة للحرية الإنسانية..................اسماعيل زاير

الابراهيمي والأنفاس الأخيرة للحرية الإنسانية..................اسماعيل زاير
يحضر الأخضر الإبراهيمي الى المشهد السوري الدامي وكأنه ملك من ملائكة الرب المرسلة لترطيب القلوب وتبريد الأحقاد .

والحقيقة ان العالم العربي والإسلامي يفتقر الى خصائل الأخضر الأخلاقية والسياسية لهذا فمن المستحيل ان يتحمل شخص آخر من معشر الدول المشرقية مزاج النذالات العربية التي تتلفع بإسم السيادات الوطنية المزعومة او الدفاع عن التراث القومي او الديني . والحقيقة ان الأمم المتحدة وهي مبتلاة بالرجل العربي المسلم المريض كواحد من آخر المخلوقات والأمم القاسية فضلاً عن بعض افريقيا لا ولن تجد من يمكنه ان يتابع او يفهم الممكنات المرتقبة في دبلوماسية السلام في عالم منكوب بسياسييه .
وهو عمل اكثر من مرة في مستنقعات الدم المقدسة في افغانستان والعراق واليوم سوريا. وكنت ارى وجهه وهو يحادثنا في بغداد ، بعيد هزيمة دكتاتورنا ، وكأنه يترجى في اقوالنا نحن المثقفين المسالمين ، او آخر ما تبقى منهم ، ان يشحذ همته من عبق الأمل الذي تعكسه مقولات جماعات لم يتسرب لها سم الإيديولوجيات الكاتمة للحرية والحياة . كان كمن يستعين بنا ليواصل حلمه الخاص الذي يتغذى منه ليثابر على الوساطة .
ان أعسر المهمات على رجل الأخلاق هي ان يسعى الى المواءمة ما بين معتد اثيم وغاشم وخصم مسالم معتدى عليه . ان خصومة المسالمين مؤلمة جداً للناظرين فهم يذكروننا بملحمة الحسين الشهيد الذي يسعى بلسانه ان يرق قلب معسكر يزيد بن معاوية وجيشه . فكيف لو تخيلنا وسيطاً في مثل هذا القبيل الجنائزي والمأساوي الذي يفتك به آخر القادمين الى الإسلام بالسيف بأولاد واحفاد وعائلة نبي الأسلام وخاتم المرسلين ؟
على الأخضر اليوم ان يجد الطريق الرهيبة التي يمكن ان تفصل بين شلالين من الدم السوري ، على ان لا يفكر مع من سيبقى ضميره . وكما كان عليه ان يوائم افغانستان بين سيوف حركتها ايادٍ مناهضة للروس الذين احتلوا في عالم الحرب الباردة المخزي بلاد الأفغان ومن ثم انتهت الى ان تتحول الى حرب طاحنة بين اطياف الشعب الواحد ، عليه اليوم ان يوائم ما بين نظام دموي غاشم يصادر حياة الناس ويرسم مصائرهم بمساطره المنحطة الفاشية وبين قبائل السيوف التي تتنشق الدم وتمتصه كعطشى الى المجزرة الأبدية . بين عفلق وعفلق وقعت شعوبنا وعندما اوشكت ان تخرج من اديانها جاءها حفاة عراة من شعب الصحراء التي لم تنصت يوماً للعالم ولم تفقه دين الله وشرعه ولم تفرق بين معنى الآيات التي انزلها الله وبين همس المهووسين من محوري المقدسات .
الأخضر الإبراهيم يحتاج منا اليوم ان نلهمه بعض الشجاعة لأن شعوب العالم في ورطة أبعد من ورطة الفاشية التي خبرناها في بلادنا . وهي ورطة اوسع شمولاً للناس والعباد ، بل حتى انها يمكن ان تتجاوز على أمن الكون كله من خلال تحريك بيادقها النائمة على اخبار خراسان وما قبلها .
ولكننا لا نجد اليوم وفي هذه اللحظة ما يمكننا بواسطته ان نمد يد العون اليه . فهؤلاء المتنافسون على السلطان البعثي العليل أو سلطان خراسان وما قبلها انما لا يقبلون بالوساطات ولا يشعرون بدلالات الهزائم او الإنتصار ولا يتوقفون عند حدود . فمن افغانستان تتنقل المشاعل والحرائق الى العراق ومنها الى مصر ومن ثم سوريا وليبيا وعندما يتاح لهم الوقت بنتقلون الى تونس والجزائر والمغرب ويعبرون من هناك الى بلاد الكفر مستعينين بمئات من القابعين في ظلمات الغرب يتحسبون لساعة الإنتقام من العالم كله .
اذا ما فشل الإبراهيمي لن يكون عاراً عليه او تقصيراً منه او قلة خبرة ، بل لأن المناخ العربي والإسلامي سلبي وغير مساعد ويفتقر الى القيم الأخلاقية. الذنب يقع على من سمح بإلقاء الإرث الأنساني العربي والإسلامي الذي أنار عصوراً كبيرة وفتح افاقاً لا تحصى للمعرفة والتنوير واداروا لهذا الإرث ظهرهم .
سينضم الينا الإبراهيمي ذات يوم ليقول لنا ما حصل فعلاً في جنيف واحد وفي جنيف 2 وما مكر نظام الأسد والآباء الشرعيين لداعش والقاعدة وغيرهم من الظلاميين . وقد يكتب ما جرى له كما هو شأن المتنورين من مواطني العالم الذين يدركون ان المكوث على ظهر زورق البشرية لوحده لا يكفي ما لم يسهم المرء بقسطه في الإبحار نحو شاطئ السلام .
اننا نكتب اليوم ونحن نستشرف ان ساسة عراقيين كثراً وقادة قبائل واتباع ظلاميين من الجوف العراقي يتهيأون بل بالأحرى يواصلون سعيهم لألقاء العراق في اتون المجازر مجدداً بل قريباً وعلينا بدورنا ان نهيئ انفسنا للمجزرة . اقول هذا وقلبي ينزف دماً وانا أرى وأسمع عشرات بل مئات العراقيين وهم يتهيأن لمغادرة البلاد هلعاً وخوفاً من المستقبل القريب ، واعرف ، وكلي ألم ، انه لوكان ثمة بوابة ضيقة للخروج بسرعة ويسر للمواطن العراقي وعائلته لخرج دونما عودة .
الحقيقة في سوريا التي امتزجت قضيتها بقضية العراق هي ان الدواعش لا يريدوننا لا نحن ولا تأريخنا ولا فنوننا ولا ثقافتنا ولا اي ذاكرة عراقية متحضرة . وهم اليوم ينتقمون من الشعب السوري كما انتقموا من الشعب العراقي لأنه نظر الى النور والشمس والحرية . فطوبى للأخضر الإبراهيمي على صبره وامله الوطيد .

نشر بالاتفاق مع جريدة (الصباح الجديد) البغدادية.
Top