بركان .. أحلى صوت !.................عاصم جهاد
ويختمها بمقام النهاوند متغزلاً بالعراق وبمعشقوته بغداد، مردداً لهما "سلاماً من ندى قلبي سلاما.. على بلد فُتنت به غراما.. عاش العراق.. عاشت بغداد" .. وقف الجمهور ولجنة الحكام على إثر ذلك، مذهولين ومعجبين بهذا الصوت القادم من بلاد النهرين، وتيقنوا إنهم أمام طاقة غنائية لم يفصح صاحبها إلا عن جزء قليل من كنز كبير يمتلكه، كأنه أراد بهذه المشاركة بعد سنوات الإهمال والتهميش، كسر جميع القيود التي التفت حول حنجرته طيلة العقود الماضية،وإطلاق صوته عاليا الى آفاق بعيدة ليعلن عن نفسه ويثبت للجميع أنه الأحلى والأجمل والأكمل والأعذب.
إنه الصديق الفنان الكبير عامر توفيق سفير الأغنية العراقية،الذي يمتلك صوتاً وثقافة موسيقية قلَّ نظيرها في البلدان العربية، تدرب على يد أساتذة كبار منهم الموسيقار روحي الخماش وتعلم منه أصول الغناء الأصيل، ولأن عامر توفيق يمتلك خاصية أداء جميع الألوان الغنائية التي تُعرف أو تُوصف بالصعبة سواء على صعيد المقامات أو الموشحات أو الأدوار أو المواويل أو الارتجال فضلا عن تخصصه في النظريات الموسيقية ومخارج الحروف الغنائية و"الجوابات" و"القرارات" فإنه حظي باحترام أساتذته وكبار الموسيقيين.
وتحت شعار "مغني الحي لا يطرب" انزوى الفنان الكبير في بيته المتواضع بعد أكثر من أربعين عاماً من العطاء والجهاد في الحفاظ على التراث في الغناء العراقي والطرب الأصيل، قانعاً براتبه التقاعدي الذي يبلغ فقط "250" ألف دينار عداً ونقداً، وهذا الحال فرض عليه وعلى عائلته الصيام الإجباري طيلة أشهر السنة، وكم من الأيام التي تشهد أنهم باتوا جياعاً. وبفضل هذا الراتب التقاعدي الذي يتقاضاه الفنان المبدع عامر توفيق وإهمال الجهات ذات العلاقة بالفنون والموسيقا والتراث، وصل الحال به الى أنه لم يعد بإمكانه دفع مبلغ اشتراك ثلاثة "أمبيرات" كهربائية لصاحب "المولدة" الأهلية، لينعم بالكهرباء أسوة ببقية خلق الله..!
هذا هو واقع مبدع عراقي لا يختلف حاله عن الكثيرين من أمثاله ممن حفروا أسماءهم على صخرة التميز والعطاء، منهم من رحل عنا مهملاً مظلوماً مضطهداً، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ً، لكن ومع "عقوق" جميع من يعنيهم الأمر تجاه ما قدمه وما يمتلكه الكبير عامر توفيق من موهبة وابداع، إلا أنه وبفضل عشقه المتجذر لوطنه وشعبه سواء في وجدانه أوفي عقله، فأنه قد تناسى كل مالحق به من ظُلم وأجحاف بمجرد أن وقف على مسرح "أحلى صوت"، ليتغنى بعشقه الأبدي "العراق" ... معاهداً بإنه سيظل ابناً باراً، مؤكداً للعالم بأننا شعب يحب الحياة والفرح، و سنظل مهداً للإبداع والجمال والإنسانية.
المعنيون بشؤون الدعاية والإعلان والترويج يدركون معنى النجاح في مثل هذا البرنامج الجماهيري الذي يحظى بمشاهدة ملايين البشر في كل أصقاع الأرض.. إنها دعاية مجانية للعراق الذي هو به حاجة ماسة لها في ظل "التشويش" الإعلامي الذي تمارسه جهات كثيرة على بلدنا .. متزامناً مع الفوضى التي تعيشها المنطقة.
والسؤال هنا متى سيدرك "السياسيون" و"المعنيون" قيمة الرسالة الإبداعية وأهمية احترامها واحتضانها وتقديم الدعم والرعاية لها في مجالات الفنون والآداب والثقافة والجمال والعلوم الإنسانية الأخرى.. بدلاً من اهتمامهم في بث رسائل "الطائفية" و"التفرقة" و "المصالح الضيقة" التي مزقت البلاد وآذت العباد وفرقت شمل عائلاتنا الطيبة.. بفعل ارتفاع "أصواتهم" النشاز في الكثير من برامج الفضائيات، التي يصفها المتابعون من الجمهور الوطني بأنها .."أسوأ صوت".. !
• ضوء
• هناك من يُربي الفراشات من أجل الجمال .. وهناك من يُربي الجراد من أجل الدمار ..!
نشر بالاتفاق مع جريدة (الصباح الجديد) البغدادية.
