جماعة فتح الله غولن في كوردستان العراق
هذه الجماعة، أو هذه الحركة التي لها تأريخ طويل تضرب جذورها في المجتمع التركي منذ ما يقارب ثلاثة عقود أو اكثر، يقودها الداعية الإسلامي محمد فتح الله غولن المعروف بـ " أبي الإسلام الإجتماعي" والذي يسكن حاليا في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، بعدما خرج من تركيا في عام 1999، هربا من ملاحقة السلطات العلمانية التركية له، متهمة إياه بمعادات النظام العلماني في البلاد. يصف البعض هذ الحركة بالأخطبوط، والبعض الآخر يسميها بالإمبرطورية، كونها تمتلك نحو ألفي مدرسة وعشرين جامعة متميزة في مختلف التخصصات منتشرة في تركيا وفي 6 قارات و160 دولة عبر العالم والكثير من المؤسسات الإعلامية الكبيرة وحتى الاقتصادية.
ولكن الأمر الملفت للنظر، هو أسباب تواجد هذه الحركة في كوردستان العراق، والظروف الضبابية التي عشعشت فيها مؤسساتها التعلمية والإعلامية داخل كوردستان في بدايات تسعينيات القرن الماضي.
جماعة غولن متواجدة في كوردستان منذ 19 عاماً
دخلت أولى قوافل جماعة غولن إلى كوردستان في عام 1994، ورغم أن الجماهير الكردية لا تعرف الكثير عن هذه الجماعة، إلا قلة قليلة من السياسيين والباحثين، إلا أنها إستطاعت أن تمهد لتوغل اللغة والثقافة التركية داخل المجتمع الكردي، من خلال تقديم الخدمات المتعددة عبر مؤسساتها التعليمية العالية الجودة مقارنة مع المناهج الدراسية المحلية المتخلفة، لدرجة بادر فيه الكثير من المسؤولين الكرد في إقليم كوردستان العراق والطبقة الوسطى إلى تدريس أبنائهم حصريا في هذه المؤسسات.
إن أهم ما يلفت النظر هو توقيت وظروف دخول هذه الحركة إلى كوردستان العراق. حيث كانت كوردستان تعاني من فراغ سياسي ودستوري حينها، وكان المجتمع الكردي قد تحرر لتوه من ظلم السلطات البعثية، لكنه كان منغمسا في الحرب الأهلية والصراعات بين القوى المحلية، إلى جانب وجود مكثف للجيش وقوى الأمن والإستخبارات التركية، تدعمها بعض القوى المحلية مثل الجبهة التركمانية العراقية، بحيث كانت قد بسطت سيطرتها على مناطق واسعة في إقليم كوردستان. والسؤال المطروح هنا، كيف إستطاعت مؤسسات جماعة فتح الله غولن دخول كوردستان والمحافظة على تواجدها هناك في ظل هذا التواجد المكثف لمؤسسات الدولة التركية العلمانية حينها، وهي التي كانت تدعي ملاحقة السلطات العلمانية لها؟.
من شأن إيجاد الجواب لهذا السؤال أن يكشف النقاب عن غايات واهداف هذه الحركة ليس في كوردستان فقط وإنما في باقي دول العالم.
تمتلك الجماعة حاليا في كوردستان العراق اكثر من ( 18) مؤسسة تعليمية، إلى جانب قناة تلفزيونية وإذاعة ( دوران)، كما تملك حوالي (12) مؤسسة في باقي أنحاء العراق. و تسمى سلسلة المدراس والمؤسسات التعليمية التابعة للجماعة بـ (صباح) و يتم تمويلها وإدارتها من قبل شركة ( FEZALER).
ونشاطات المؤسسات التابعة لجماعة فتح الله غولن في كوردستان العراق لا تقتصر على الجوانب التعليمية فقط، وإنما تقيم نشاطات ثقافية وإجتماعية وفنية بأربع لغات ( تركية، كوردية، عربية وإنكليزية)، وتقيم مهرجانات فنية مؤتمرات وندوات وملتقيات سياسة وثقافية، تهدف من خلالها تبادل الأفكار وتقريب الآراء حول مواضيع شتى بين المثقفين الكرد والأتراك، وتطرح قضايا تخدم رؤاها ومنطقها ومبادئها. ومن أهم هذه الملتقيات، كان ملتقى ( ئابانت) الذي يقام سنويا في هولير، برعاية وقف الصحفيين والكتاب التابع للجماعة، وبمشاركة نخبة مختارة من الصحفيين والكتاب الكرد والأتراك، ويتم فيه النقاش حول إيجاد السبل السلمية لحل القضية الكردية، طبعا من منظور الجماعة.
يلفت بعض المحللين السياسيين النظر إلى حقيقة لازمة تاريخ حركة فتح الله غولن، وهي أنها تحاشت دائما الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطات العلمانية في تركيا، رغم أنها أسست نفسها بقوة داخل المجتمع التركي، وتغلغلت في مفاصل الدولة، بالتعاون مع حزب العدالة والتنمية، لتنقلب عليها بعد هذه الشراكة الطويلة، حيث تتضح غاياتها أكثر من أي وقت مضى، وهو ما يفسره المحليلين، بأنها، أي الجماعة، ترغب في فرض أجندتها السياسية على الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية، وتريد أن تعترف بها الحزب كشريك إيديولوجي، لها بصمتها الخاصة على كافة إنجازات الحزب خلال فترة حكمها. وهذا الأمر يثير مخاوف دول عديدة تتواجد فيها هذه الحركة، حيث هناك خوف من إمتداد اخطارهذه الحركة إلى داخل بلدانهم. كما يحصل في دولة مصرحاليا، وإنتشار أخبار تشير إلى تدخل جماعة غولن في الصراع الداخلي بين القوى العلمانية والإسلامية في البلاد.
ويلخص الكاتب ( حسين الرواشدة) في صحيفة الدستور، خطر إمتداد الصراع المتفجر بين جماعة فتح الله غولن وحكومة حزب العدالة والتنمية إلى دول المنطقة العربية بقوله " من الممكن أن يتسرب الطلاق بين حركة غولن واردوغان إلى الدول العربية أيضا". و هذا الأمر قد يدفع الكرد ايضا في إعادة النظر بأهداف وغايات تواجد الجماعة في كوردستان.
دلشا يوسف
PUK
