زمن الفقاعات................ جمال جصاني
ووسط هذا الخضم الصاخب من "الدقلات" هناك طور وسط بين الحالتين جذب اهتمام عدد من أبرز المفكرين ومنهم على سبيل المثال المفكر الايطالي انطونيو غرامشي الذي وضع يده على أبرز تجليات وافرازات ما صار يعرف بـ (المرحلة الانتقالية) حيث يتصدع القديم وينهار قبل أن يتمكن الجديد من أن يحل محله. في مثل هذه الأوقات تبرز الى الوجود مخلوقات وحالات ومشاهد غريبة لا تعكس سوى حالة الانفلاش وضياع المعايير المؤقتة التي تنتاب المجتمعات في مثل هذه الأزمان. وأبرز مايميزها وهذا ما اكتشفناه في تجربتنا الحالية في عراق مابعد التغيير، هو الكم الهائل مما يمكن أن نطلق عليه بـ (فقاعات) هذا الزمن الذي افتتحه محمد الزبيدي، ذلك المخلوق الذي نصب نفسه حاكماً على بغداد بعد لحظات من تسلل حاكمها السابق الى جوف الأرض. لقد مثلت لحظة ظهور محمد الفاتح الزبيدي في بغداد بمنزلة دعوة لكل (العدائين وراكبي الدراجات- حسب تعبير الماغوط-) للانخراط في ماراثون اعادة تقسيم الغنائم والالقاب والمآثر..
ويبدو ان مسألة اطلاق الفقاعات هي جزء من الحالة الموضوعية التي لا بد لمثل هذه المجتمعات التي قمعت طويلاً من ان تمر بها، كي تستعيد توازنها تدريجياً. لذلك كانت المشاركة في هذا الكرنفال الوطني عامة وشاملة، ولم ترصد اية مقاطعة جادة لها من شتى القطاعات السياسية والثقافية والمهنية. فهناك السياسي الفقاعة والشاعر الفقاعة والصحفي الفقاعة وناشط المجتمع المدني الفقاعة ولن يُستثنى من ذلك رجل الدين الفقاعة... والجيل الاول من الفقاعات تلاشى تقريباً، غير ان المناخات ما زالت ملائمة لنشاط أجيال اخرى منها، حيث هرم المعايير المقلوب الذي يحتفي بها. والمشهد الراهن لا يحتاج الى مواهب خاصة كي نكتشف حجم التسلل الهائل لهذه الفقاعات البشرية للمفاصل الحيوية للدولة والمؤسسات الرسمية والمهنية والاعلامية. مخاطر هذه الهيمنة كبيرة بلا شك، وقد الحقت اضراراً فادحة بتطلعات سكان هذا الوطن القديم، غير انها تعري نفسها عبر فتوحاتها السريعة وتألقها في صنع كل هذه الهزائم المادية والروحية.
أعيد النشر بالاتفاق مع جريدة (الصباح الجديد) البغدادية.
