مصر: الصدق مع النفس......................عبدالرزاق علي
وهذه تقود الى الأخرى: هذه التيارات، لا تؤمن بفكرة الدولة، فايديولجويتها، أممية تتعدى حدود الدول والشعوب، ولهذا، فهي مجردة من الأساس من فكرة الوطنية والمواطنة، ولا وطن لديها الا قدر اتخاذه منطلقا لتخريب أوطان الآخرين.
ما شهدته مصر، بدءاً من ثورة يناير، واستيلاء الاخوان المسلمين على السلطة عن طريق صناديق الاقتراع، وهم الجماعة أو الحزب الأكثر تنظيما حينها في مصر، الى يومنا هذا، إضافة الى تأثيراتها المباشرة على كل المنطقة المبتلية بجماعات الاسلام السياسي، غير المؤمنة بالديمقراطية وتداول السلطة الا ادعاءً، وبالأخص جماعة الأخوان المسلمين، يعود بنا الى المناقشة التي مضت عليها عشرات السنين، وهي تتركز في الاجابة على السؤال: هل الديمقراطية، وبنسختها الغربية، الأميركية على الأخص، تصلح لكل المجتمعات ولجميع الأزمنة؟ الأميركيون يردون بنعم. الدليل، ما صنعته أميركا ومبعوثه بول بريمر، في العراق، وكذلك موقف الادارة الأميركية ووزيرها الضاحك، من ثورة يونيو وما اتخذه الجيش المصري من موقف تأريخي الى جانب شعبه.
خيرا فعل المصريون حين مارسوا الديمقراطية على طريقتهم، كانوا صادقين مع أنفسهم عندما ضغطوا شعبيا، على قيادة الجيش المصري لعزل الرئيس الاخواني، محمد مرسي، واستمرارهم بالضغط على قائد الجيش للاستقالة والترشح لانتخابات الرئاسة. وبصدقهم هذا، أثبتوا خطأ ذلك الرد الأميركي على السؤال اياه، وعدم صلاحية الوصفة الأميركية للديمقراطية لمجتمعاتنا، بل وخطورتها على بلداننا واستقرار مجتمعاتنا ومستقبل شعوبنا.
فجل ما يقوله الأمريكان بحق أحداث مصر وما أتبعوها من مواقف خاطئة، ليس بمقدورها الاجابة على السؤال الحيوي: ماذا كان عليه حال مصر الآن لو استمر الأخوان في السلطة؟
قلة هم الذين بقوا أبطالا في عيون شعوبهم، بعد تورطهم أو توريطهم بالسلطة. من حيث المبدأ، كنت أتمنى من القلب أن لا يترشح المشير عبدالفتاح السيسي، وزير الدفاع المصري، لانتخابات الرئاسة في مصر، كي لا يتهم، بانه قام أو قاد، تلك الحركة التصحيحية الشعبية العظيمة للثورة المصرية، لأغراض شخصية. رأيته بطلا، فلم أحبذه رئيسا. والحال، كلامي هذا، تجاوزته الأحداث وبقيت تمنيات انسان أحب مصر، أحبها من خلال تأريخها ودورها وقوتها الناعمة.
زيارة مصر، أمنية الطفولة، ترعرت مع مرحلة الشباب، ولكنها لم تتحقق لحد الآن، وقطار العمر يسير بسرعة أحداث هذا الزمن الصاخب، ولكن كلي أمل أن تخرج مصر من هذا الامتحان الصعب وتعبر ومعها المنطقة باسرها الى بر الأمان، ونراها دوما كعهدنا بها: أم الدنيا.
