• Thursday, 05 February 2026
logo

منابر الخذلان الجمعي ................. جمال جصاني*

منابر الخذلان الجمعي ................. جمال جصاني*
عندما تتيح لنا الأقدار فرصة للتخفف من أوزار الموروثات الخاوية في التبجح واجترار الديباجات التي "لم تقتل ذبابة" نجد انفسنا بمواجهة الملامح العارية للمشهد القيمي والسياسي الراهن، حيث الهزائم الشاملة تحفر أخاديدها على شتى الجبهات المادية والروحية لهذا الطيف الواسع من شعوب وقبائل وملل هذا الوطن القديم.

ومن نافل القول الاشارة الى العوامل الموضوعية والذاتية، الداخلية والخارجية التي تقف خلف كل هذا الاصرار على طرق دروب الانحطاط هذه، خاصة وان غير القليل من المقالات والدراسات قد تطرقت اليها. ما نود الاشارة اليه هذه المرة، يتعلق بما يمكن أن نطلق عليه "منابر الخذلان الجمعي" أي المنابر التي يستعرض فيها سدنة الطوائف والقبائل بشتى أزيائها ورطاناتها عبقرياتهم لخذلان بعضهم للبعض الآخر. هذه المنابر التي لم تكتف بالمنصات التقليدية (الخشبية والحجرية) بل اكتسحت شراهتها المنصات الالكترونية والسمعبصرية ببركات الرزق الريعي المحلي والاقليمي العابر للحدود الوطنية.
منذ اللحظة التي تلقف فيها (حثالات الريف وأوباش المدن) مقاليد الامور في هذا البلد المنكوب، وسكانه من شتى المنحدرات والتجارب والثقافات؛ يتعرضون الى سيل من الاهانات والانتهاكات لم يعرفها تاريخهم الحديث من قبل. وكل من تصفح شيئاً عن ذلك التاريخ القريب، يعرف ان منابر الدمار الشامل هذه لم تكتف بالفظائع التي توجتها بـ (المقابر الجماعية)، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يحتل عدد المهاجرين منهم الى خارج وطنهم المرتبة الاولى بين بلدان العالم في العقود الاربعة الأخيرة، هذا النزيف البشري والمعنوي والمعرفي ما يزال متواصلاً على الرغم من مرور أكثر من عقد على زوال النظام المباد. ان حالة الاستسلام لدوامة الخراب هذه، عبر ترك مقاليد التوجيه والقرار لمثل هذه المخلوقات التي لا تجيد سوى اجترار خطابات التشرذم والكره والأحقاد بين "مكونات" هذا البلد القديم، لن تفضي بنا لغير المزيد من الهزائم الحضارية والتي يفترض ان نتقيأها بعد هذا الحصاد المر الذي صنعناه بمنظوماتنا الصدئة التي لا تجيد غير خذلان الآخر المختلف وشيطنته.
ان الخطوة الاولى في شوط الألف ميل، يبدأ من وعي مثل هذه التحديات، التي تتطلب الشجاعة والمسؤولية في مواجهة هذه القوى والمنابر والمنظومات المتنفذة، بفعل الظروف الشاذة التي يمر بها البلد في مرحلته الانتقالية والعسيرة. ومن ثم تعضيد هذا الوعي بقرارات ومواقف جسورة تضع نصب عينيها مصالح الناس المتنافرة وكل المناهج الفئوية الضيقة ومحاولات اعادة انتاج الخطابات المنقرضة، التي وضعتنا جميعاً رهن اشارة هذياناتها الخائبة.
Top