هل ستتطوّر الأزمة السورية إلى حرب عالمية ثالثة؟ .....................نوري بريمو
هو انقلاب البنية الفوقية (أي السلطة المتمثلة بنظام الأسد) على مختلف البنى المجتمعية التحتية (أي الشارع السوري المتمثل بكافة مكوناته القومية والدينية والطائفية) التي تشتت شملها لابل تهدّمت مع تدحرج الثورة السورية إلى منحدر الفوضى بسبب احتكام غالبية أطراف الصراع إلى السلاح وإنخراطهم الثأراتي في دوامة العنف والعنف المضاد الذي يقضي شيئا فشيئا على البلاد والعباد في آن واحد، في ظن من هذه الأطراف المتصارعة بأنّ مسارات الإختلاف والفوضى التي يسوقون البلد إليها قد تحمي وجودهم وتعزز مواقعهم وتجلب لهم مزيدا من الإنتصارات والمغانم في نهاية المطاف الذي يمكن لأي فريق أن يتنبأ بنتائجه (أي بنهاية المطاف) ولكن لا يمكنه أن يتحكم بهذه النتائج التي قد تنقلب ضده وضد مصلحة أي طرف يتهرب من الحلول السياسية ويعتمد على منطق القوة والجهالة ويتعجرف بجبروته ويتحمْقَن ويراهن على رهانات عنفية مقامراتية ستبقى خاسرة في نهاية المطاف مهما طافت الملفات فوق الطاولات الإقليمية والدولية التي قد تنقلب ضد نظام الأسد ومختلف أجنداته الساعية لدفع الأمور نحو المزيد من التعقيد بدلا من التبسيط.
ولعلّ أفظع ما ارتكبه نظام الأسد على مدى الأعوام السورية الدموية الثلاث، هو التسبب بنشوب حرب أهلية أدت إلى تمزيق النسيج السوري في مسلخ اللاعودة، وتدمير مختلف البنى التحتية (العمرانية والخدمية والاجتماعية والثقافية والإقتصادية وغيرها) عن سابق اصرار وترصد، وذلك في إطار مخطط طائفي يرمي إلى إنهيار قاعدة هرم الدولة لمنع انهيار رأس الهرم الذي يجلس عليه الأسد رغم أن أخضر ويابس البلد يحترق حاليا في محرقة طائفية داخلية وصراع إقليمي قد يتطور ويتحول إلى حرب عالمية ثالثة.
وبغض النظر عما سيؤول إليه مؤتمر جنيف2 فيما إذا إنعقد في موعده المحدد، وبهذا الشأن السوري الذي بات راهنه محطة أنظار كافة شعوب وأمم ودول المعمورة وأضحت مستجداته تحتل المرتبة الأولى في نشرات أخبار وكالات الأنباء العالمية، فإنّ ثمة مخاوف باتت تلوح في الأفق وتوحي إلى إحتمال توسّع دائرة النيران السورية لتخرج عن طورها إلى خارج حدودها ولتمتد إلى دول مجاورة أخرى في المنطقة كالعراق ولبنان وتركيا وأيران وغيرها، ولتكثر معها الأحاديث والتكهنات والمخاوف بشأن إمكانية اندلاع حرب عالمية ثالثة يبدو أنها باتت على أبواب منطقتنا الشرق أوسطية التي عاشت ربيعاً أزهر في تونس وليبيا ومصر واليمن والتي تحمل في طياتها المعاشة حاليا في سوريا ظروفاً استثنائية مشابهة لتلك التى عاشتها أطراف وبطون الأمبراطورية العثمانية ومنطقة البلقان التي عانت من مختلف الإحتقانات والتي انطلقت منها الشرارة الأولى لإندلاع الحرب العالمية الأولى في أوائل عام 1914م في ظروف كانت مشابهة لظروفنا وممجوجة بشتى وأعنف أشكال وألوان النزاعات على الإطلاق.
وفي الحقيقة فإنّ الظروف الحالية التي تجتازها سوريا المبتلية بوباء الطائفية ومنطقتنا المسمومة بنوازع قومية ودينية وعشائرية قد تحتدم يوما بعد آخر وقد تستدعي تدخل دول عظمى لإطفاء هذه النيران ولوضع حد لهذه النزاعات بمقابل حماية مصالحها وتحقيق مكاسب اضافية لدولها، تشبه تماما (أي هذه الظروف) وتعيد إلى الأذهان تلك الأجواء والمناخات التمهيدية التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى قبل حوالي مئة عام من الآن, مما يشجّع المهتمون بهذا الشأن أن يرسموا في خيالهم خطوط التشابه بين البلقان قديماً وسوريا ومنطقتنا حديثاً، ومما يجعل العالم يستذكر البارود الذي انفجر في البلقان ويتخوف في ذات الوقت من امكانية حدوث حرب شرق أوسطية أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الإنفجار انطلاقاً من الساحة السورية التي صارت مستباحة وتشهد مزيدا من الإحتقان لا بل الإنفجار الذي قد يأخذ مجراً كونياً لم يكن لا في الحسبان ولا على البال ولا على الخاطر.
وللعلم فإنّ غالبية أطراف النزاع السوري (نظام الأسد والجماعات االسنية السلفة والشيعية المتطرفة وكافة أخواتهما) والتي قامت بتقسيم البلد إلى مملكات رعب أو مربعات أمنية تتصارع فيها وفيما بينها بحدية ووجودية، والتي تعربد طولا وعرضا وتهدد سوريا والمنطقة والعالم، لا تختلف في كينوناتها وبطبائعها الإستبدادية عن تلك المجموعات الشيوعية واليسارية واللاهوتية المتطرفة التي قامت قبيل الحرب العالمية الأولى وأعلنت عن نفسها كقوى تغييرية بدعوى الوصول إلى عالم أفضل حينذاك، ولذلك فإنّ التهديد المشترك في هاتين المرحلتين العالميتين البعيديتين عن بعضهما بمسافة قرن من الزمن، يتمثل في ظهور قوى ومجموعات عسكريتارية متطرفة تتباكى على رداءة الواقع وتخلق مختلف أنواع الحجج وتطالب بتغيير موازين القوى لصالحها حتى وإن كلفها الأمر بتدمير الذات والآخر معاً.
وفي كل أحوال ومهما بلغت الأضرار وتمادى البعض في العداءات البينية، فإنّ الجانب الكوردي وخاصة المجلس الوطني الكوردي قد اعتبر نفسه جزءا من الثورة وضد نظام الأسد، وحاول الحفاظ على سلمية الحراك في كوردستان سوريا، ونحى نحو إحترام مبادئ الشراكة بين الشعوب، ونأى وينآى بنفسه عن الحلول العسكرية والنزاعات المسلحة، وأبدى ويبدي استعداده للحضور كطرف ايجابي في جنيف2 أو أي محفل دولي خاص بهذا الشأن، ودعا ولا يزال يدعو كافة الأطراف السورية والإقليمية والدولية إلى الإحتكام لجادة الصواب وإحترام الحقيقة والتأمل في أخطاء الماضي وعدم تكرارها للتمكن من حل أزمات الحاضر بأساليب سلمية ولبناء سوريا ديموقراطية تعددية فدرالية، ولخلق بيئة شرق أوسطية ودولية مستقرة، بدلاً من التخبط في بحور نزيف الدماء البشرية وفي خضم عسكرة الحلول وبدلاً من الإنتقال الميكانيكي من أزمة مستفحلة إلى أخرى بدون ايجاد حلول تناسب عصر العولمة الموصوف بالديموقراطية وحقوق الإنسان والأمم.
