التعصب والتسامح..............................جمال الجصاني
جنوحاً غير طبيعي نحو النبش في ذلك الركام من الثارات والأحقاد المميتة. ان ظهور وتنامي مثل هذه الخيارات المدمرة لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج منظومة ثقافية وسايكلوجية تراكمت في قعر اللاشعور عبر قرون من التخلف والسبات، المترافق مع كسل ذهني ومعرفي لا مثيل له، ولد وترعرع منذ بداية القرن السابع الهجري، عندما تمكن سدنة الفقه القشري من فرض هيمنتهم على شتى مناحي الحياة في هذه المضارب، التي وجدت نفسها اليوم أمام مهمة تسديد كل هذه الفواتير المؤجلة من التعفن والركود.
ان ظهور تنظيمات اجرامية ومنحطة من نسيج (القاعدة) والتيارات والعصابات الارهابية الاخرى، هو نتاج لتلك الشروط والمناخات والتربية التي بررت واتاحت لمثل تلك الافكار والايديولوجيات بالظهور والانتشار. وطبعاً لم يكن بمقدور مومياءات العقائد هذه من تحقيق كل هذا النفوذ، لولا التمويل الواسع والضخم الذي ضخ في شرايينها الشاحبة من شبكة الانابيب الاخطبوطية لممالك وولايات النفط والغاز. ومثال دولة مثل باكستان والمآل الذي آلت اليه بعد تسلل تلك القافلة من شحنات التعصب والكراهة مع الجيل الاول من المدارس الدينية، والتي فاقت لاحقاً عدد المدارس الرسمية الباكستانية الا دليلاً واضحاً على النتائج المتوقعة لمشاريع الدمار الشامل هذه، والتي مدت نفوذها لاحقاً الى ارقى تقنيات الاعلام والتواصل من مطبوعات وفضائيات ومواقع الكترونية، لتشكل مع وسائل التغييب والتأثير التقليدية، جهازاً هائلاً تمكن من زرع مجساته الى كل مستويات حياة عيال الله.
وقد كشفت النتائج الاولية للحراك الشعبي الذي أطاح بعدد من أنظمة الحكم المطلق في العالم العربي، عن قدرة وحيوية برك التعصب والأحقاد ومؤسساتها العابرة للحدود الوطنية. ان الاحتجاجات التي انطلقت من تونس وانتشرت الى بقية البلدان المتشابهة في نوع الهموم والتحديات، كانت من اجل حرية وكرامة الانسان لا من أجل الانغمار بجولة جديدة من الاشتباكات المهينة لحرية وكرامة البشر، كما تسعى اليه تلك القوى والمشاريع المنحدرة الينا من عوالم القرون الوسطى، ولايمكن لمثل هذه الانبثاقات ان تصل الى أهدافها المشروعة الا عبر الثقافة المضادة؛ ثقافة التسامح وقبول الآخر المختلف..
