• Thursday, 05 February 2026
logo

موت بائع العطور........................مقدادعبدالرض

موت بائع العطور........................مقدادعبدالرض
حينما يجن الليل كان آخر مجانين شارع السعدون يقرفص بالقرب من الجامع, يضع بين اصابعه سيكارة كان قد طلبها من احد المارة, يحدق في البعيد,

احيانا يتحدث عن ابيه الذي ذهب للبحث عن خيول الملك التي ضاعت, لكن الملك سرعان مايكذب الحكاية فيموت الاب كمدا ويظل البحث عن الخيول قائما ولانتظار يطول, انطوت صفحة البحث مع اختفاء الولد واندثار الشواهد, اختفى ستديو نرسو وكذلك ناجي ستريو, ثم غاب المقهى الكبير اذ تحول الى محال تجارية, لم يبق من تلك الخيول سوى الشيخ (ابو ياسين) ومحله لبيع العطور والذي شاخ هو ايضاً, فكلما امر بالقرب منه ارى الشيخ ينحني وكذلك محله, هو يعرفني واحيانا يدور حوار بيني وبينه:
هو: أنا اعرفك, أنت تطلع بالتلفزيون
انا: (ابتسم بفرح): نعم
هو: لمَ لا نراك الآن؟
انا: كل شيء يشيخ ياعم والفوضى تعم
هو: اي والله صحيح, حتى عطوري شاخت ولم يعد يزورني الا شيوخ مثلها ومثلي, انت ترى كم من الغبار ينام فوق رائحة الماضي.
انا: وهل المردود جيد؟
هو: انا لا ابحث عن المردود, لكني اعرف انني ساموت حينما اتوقف عن زيارة هؤلاء الشيوخ, هم سيموتون مثلي لو توقفت عن المجىء, اولادي يصرون على التكفل بكل شيء, لكن هل تعرف ماذا يعني ان تغيب عن الرفقة؟
كنت احيانا اقتنص لحظات غفواته داخل المحل والتقط له بعض الصور, العجيب في الامر انه حينما يغفو, تغفو معه عطوره, قبل فترة كنت كلما امر بالقرب من المحل اجده مغلقا, توجست،تجرأت وسألت عنه جار بالقرب منه, نظر اليّطويلا وبحزن قاتل اجاب, كلنا لهذا الطريق, رحل (ابو ياسين) بائع العطور الباسل, اختفت زجاجات, التاباك والاولد سبايس, والبروت, والريف دور, وبايب كان الملك قد دخن فيه لحظاته الاخيرة, لم يبق في شارع السعدون سوى صاحبه, ذلك النصب الذي تحول بقدرة لص من برونز الى فايبر كلاس...
Top