• Thursday, 05 February 2026
logo

العراق ..أزمة تلد أزمات................... القاضي عبدالستار رمضان رﯢﮋﺑﮫياني

العراق ..أزمة تلد أزمات................... القاضي عبدالستار رمضان رﯢﮋﺑﮫياني
يعيش العراق ومنذ عدة عقود، بل ولا نبالغ اذا قلنا منذ السنوات الاولى لتأسيسه أزمات عديدة، اهمها أزمة الهوية لهذا الوطن الذي حمل مسمى عراق وضم اصنافاً متعددة ومتنوعة من القوميات والمذاهب والاديان حاول الحكام ومن تولى السلطة فيه وعلى مدى عشرات السنوات السابقة خلق هوية واحدة غالبة ومسيطرة عليه في سبيل تجاوز ازمة ومشكلة اكبروهي أزمة الانتماء لهذه المجاميع الكثيرة والمتعددة من الناس الساكنين فيه، فقد شعر اغلبهم ان لم نقل كلهم بانهم غرباء مهمشون مظلومون يعانون في حياتهم ومعيشتهم التي كانت وبحق مسلسلاً طويلاً من الحزن والمظالم التي وصلت حد الجرائم ضد الانسانية وجرائم التطهير العرقي ضد مكونات ومجموعات من هذا الشعب كما حدث للكورد في جرائم الانفال،

مما اثر وبشكل كبيرعلى سلوك الناس وتعاملهم مع بعضهم البعض ومع السلطة التي حكمتهم، فلم تعرف كثير من البلدان ماعرفه العراق من مظاهر العنف والقتل والسحل التي ما زالت في ذاكرة الكثيرين ممن عاشوا تلك الفترات، كما انها تطورت الى سلوك من العنف المادي واللفظي اليومي المستمر في الكثير من تفاصيل وجزئيات الحياة العراقية والتي جعلت حتى الغناء ومناسبات الفرح الانساني العادية تصطبغ بالدموع وألوان الحزن والسواد الذي سكن القلوب قبل الملابس والجدران من جراء الكثير من الاحداث والمناسبات واليوميات الحزينة.

ونعيش هذه الايام حلقة جديدة من سلسلة المآسي والاحزان العراقية حيث تشهد العديد من المدن العراقية مسلسل عمليات الاغتيالات والتفجيرات اليومية التي لم تترك شارعاً او مدرسة او مستشفى بل وامتدت حتى الى اماكن العبادة من الجوامع والحسينيات والكنائس والمواطنين العزل من ابناء العراقيين سواء كانوا (او كما يتم تصنيفهم) من ابناء المذهب او القومية الاكبر او الاكثر عدداً اومن ابناء الاقليات والاديان الاخرى المتناثرة اشلائهم ولحوهم والتي تشكي الى خالقها ظلم الانسان لاخيه الانسان.

ان ما يجري في العراق هو اكثر واكبر من ان يتحمله اي انسان وما يعجز ان تصفه ابلغ الاقلام، فاخبار الموت والقتل والدمار والتفجيرات ونقص ابسط الخدمات والفساد بكل انواعه واصنافه يكاد يحصر وجوده ويكثف نشاطه على ارض هذا البلد، فيحصد كل يوم العشرات من اهله ضحايا للعنف والعداء والخصام والخلافات التي لا جدوى ولا انتهاء ولا خلاص منها، وتمثل الازمة الاخيرة في غرب العراق صورة حية عما يجري فيه والذي يعاني الناس المدنيين العزل الذين ليس لهم ذنب في ما يجري من احداث وتطورات وهم وحدهم يدفعون ضريبة وفاتورة الخلافات والدعايات والسباقات الانتخابية والحزبية والمذهبية.

فالحكومة العراقية التي يفترض بها ان تكون ديمقراطية جائت من رحم برلمان ديمقراطي منتخب من ابناء الشعب، تتصرف باسلوب هو ابعد ما يكون عن اسلوب المشاركة والتوافق والديمقراطية في الحكم، وهي لا تلتزم بابسط مبادئ حقوق الانسان وتتحرك وتصول وتجول بمنطق القوة والتسلط وفرض النظرة الاحادية القائمة على لوي اذرع الناس بل وقطع رقابهم بمجرد الشبهة في انهم لا يسايرونها او يوافقونها من شطط وانحراف وهي تمارس سطوتها من غير رقابة او اشراف من البرلمان او التزام بما نص عليه الدستور او القانون.

وقد كشفت الأزمة الاخيرة انه لا توجد حصانة لأحد في هذا الوطن وان كل واحد يمكن ان يتحول الى متهم بالارهاب حسب شهية واهواء من بيده الامر، وان القوة والتسلط والعسكرتاريا والديكاتورية هي الصورة والوصف الصحيح للنظام السياسي (اذا كان هناك قد بقى بقية من نظام ) في هذا البلد.

ان محاربة الارهاب مهمة وهدف ربما يكون الشئ الوحيد الذي يتفق عليه غالبية العراقيين لكن ان يتم استغلال هذا الامر لابعاد واعتقال واتهام كل من لا يعجب او يسير في فلك الحاكم تطور ومنحدر خطير يسير فيه العراق الذي لم يتعافى بعد من جروحه السابقة، حتى جائت الايام الحالية بجراح ودماء فرقت ما كان مجتمعاً وهدمت ماكان موجوداً مما زاد في تردي الاوضاع الإنسانية وتفاقم معاناة الناس ومسلسل الهجرة والنزوح من المناطق الملتهبة مع ما يصاحبها من ضحايا من القتلى والجرحى والمفقودين والخراب والدمار الذي يطال المبانئ والمرافق الحكومية والاهلية، كل هذه الاحداث لا تبشر بالخير ولا تجعل العراقيين يتفاءلون بغد أفضل بل بالعكس من ذلك تماماً يعيش الجميع حياة الفوضى والاضطراب وفقدان الأمان والاستقرار في بلادهم وهو ما يجعلهم يبحثون عن اي حل او خلاص مما هم فيه.

كما ان مايجري في المناطق الملتهبة في العراق يؤثر بشكل مباشر او غير مباشر على الاوضاع في المناطق الاخرى وعلى اقليم كوردستان ايضاً حيث انه كلما لجأت الحكومة الاتحادية الى منطق القوة وفرض الارادة المنفردة على المخالفين لها باستغلال موارد وامكانيت الدولة الهائلة والتي هي ملك الجميع، كلما كان ذلك باباً الى المزيد من الشك والخشية من انزلاق العراق من النظام الاتحادي الذي تشكل بموجب الدستور الذي حدد السلطات والصلاحيات بشكل متوازن بين الحكومة والبرلمان والقضاء والذي لم نعد نجد فيه الاخيال ضعيف لكل السلطات ماعدا الهيمنة والتفرد بالسلطة الذي يبدو أنه السبب والمسبب لكل ما أتى وما سيأتي من ازمات.


نائب المدعي العام

أقليم كوردستان –العراق
Top