كوردستان وظلال التسامح...................كفاح محمود كريم
كل هذه الجرائم مغمسة بانين الجرحى والثكالى من الأمهات والزوجات والأيتام، كانت أمام قيادات الانتفاضة العظمى لشعب كوردستان في آذار 1991م بعد تحرير معظم أراضي الإقليم باستثناء المناطق التي ما تزال خارجه والمشمولة بالمادة الدستورية 140، وهي ترسم خارطة الطريق إلى المستقبل في مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث أدرك الرئيس بارزاني حقيقة مهمة في التكوين النفسي والأخلاقي للفرد والمجتمع الكوردستاني القائم على التسامح وعدم الانتقام والجنوح إلى السلم والأمن مستفيدا من الإرث الكبير لمفردات الثورة الكوردية طيلة أكثر من نصف قرن ليتخذ قراره الجريء هو ورفاقه في الجبهة الكوردستانية بإصدار العفو العام عن كل أولئك الذين تورطوا بجرائم ما كان يسمى بقوات صلاح الدين من مرتزقة النظام وأزلامه في المنطقة، بمن فيهم الكثير من القيادات البعثية من خارج الإقليم ممن لم يتورطوا بجرائم ضد الشعب، فقد تمت رعايتهم ونقلهم إلى ذويهم مع مقتنياتهم والحفاظ على أملاكهم العقارية، حيث وجه الرئيس مسعود بارزاني بعدم الاستحواذ على أية أملاك عائدة لهم والتعامل معهم كمواطنين مالكين شرعيين لتلك العقارات إما إيجارا أو بيعا دونما غصب أو استغلال، ويشهد المنصفون ممن تعاطوا مع هذه الملفات كل هذه الحقائق، بل وتتذكر كثير من القيادات العسكرية والحزبية في كثير من البلدات الكوردستانية، كيف إن المواطنين قاموا بحماية اسرهم ونقلها مع مقتنياتها إلى مواطنهم الأصلية، عكس ما جرى في كثير من المناطق سواء في العراق أو البلدان التي اشتعلت فيها نيران الاحتجاجات وأفضت عن سقوط أنظمتها واشتعال أعمال الانتقام والتصفيات كما في ليبيا وسوريا ومصر واليمن، بينما تم التعامل في كوردستان مع ما يقرب من خمسين ألف أسير من جنود الجيش وضباطه إبان الحرب الأخيرة عام 2003م بإيوائهم في بيوت المواطنين والمدارس والجوامع ورعايتهم وتخييرهم بين البقاء في كوردستان معززين مكرمين أو العودة إلى ذويهم، صورة من أرقى صور التسامح والإنسانية وقرار من ارفع وأسمى القرارات التاريخية، خاصة وهم جميعا ينتمون إلى المؤسسة العسكرية المسؤولة عن تدمير كوردستان وأنفلة مئات الآلاف من سكانها.
ولان فاكهة البيت مرة كما يقولون فلم يتناول الإعلام العربي ولا الشرق أوسطي هذا السلوك النبيل للرئيس بارزاني ورفاقه في الجبهة الكوردستانية التي كانت تضم معظم الأحزاب الرئيسية في كوردستان، هذا القرار الذي وضع أسس الأمن والسلم الاجتماعيين في كوردستان، ومنع قيام أي عمليات انتقام بين المواطنين أفرادا كانوا أم أحزابا وقوى، بما يعزز التسامح والبناء المتحضر للمجتمع الكوردستاني وهو في خطواته الأولى نحو الحرية والانعتاق.
إن اتخاذ هكذا قرار وتطبيقه ليس أمرا سهلا بل في غاية الصعوبة والمرارة، لكنها الحكمة والإصرار على بناء مجتمع معافى من أدران الكراهية والانتقام والأحقاد ليتفرغ أبناءه وبناته لبناء بلدهم المخرب منذ عقود طويلة، وهذا ما جرى فعلا فقد تحدت إرادة الخير والبناء والسلام الاجتماعي كل مشاعر الانتقام والكراهية ودمجت تلك القوى والعناصر في عملية التغيير حتى أصبحت جزءاً مهما من عملية البناء هي وأبنائها وأحفادها لتنتهي حقبة الكراهية والانتقام، ولكي تنهض كوردستان اليوم بهذا الشكل الزاهي ليس في بنائها الاعماري بل في نسيجها الاجتماعي والسياسي والأخلاقي الذي وضع أسسه وبذوره الأولى الزعيم مصطفى البارزاني وحوله مسعود بارزاني والخيرين من أبناء وبنات كوردستان إلى مفردات وبرامج عمل للنهوض بالإقليم اجتماعيا وأخلاقيا واقتصاديا وحضاريا.
