الانقسام العراقي......................أحمد سعداوي
عملياً عانى العراقيون، منذ ولادة دولتهم الحديثة في عشرينيات القرن الماضي، من انواع متعددة من الصراعات التي نشأت على أساس الانقسام المجتمعي. لدينا حروب قبلية كبرى، أسهمت في الازاحات الديمغرافية، وهجرة قبائل شمالاً أو جنوباً، على الخريطة العراقية. لدينا انقسامات ثقافية تخصّ اللهجات والطباع والميول والعادات الاجتماعية. لدينا انقسام طبقي كان صارخاً وواضحاً في النصف الاول من القرن العشرين، ووضوحه جاء بسبب وجود تعبير سياسي لهذا الانقسام الطبقي، مع وجود الحزب الشيوعي العراقي، الذي تحوّل الى حاضنة لمطامح وآمال الفقراء "من الشيعة أساساً" ضد طبقة الملاك والبرجوازية العراقية الصاعدة. بل أن جزءاً من الصراع السياسي العراقي كان يجري داخل الدائرة الاجتماعية الشيعية. فولادة حزب مثل "حزب الدعوة" كان رداً شيعياً على ظاهرة شيعية، وهي انخراط الغالبية من الشباب الشيعي في الحزب الشيوعي العراقي.
كذلك الأمر في الدوائر الاجتماعية الأخرى؛ صراعات قبلية كردية-كردية. صراعات قومية وأثنية بين الآثوريين والكرد، واخرى بين التركمان والكرد. انقسامات اجتماعية بين سنّة المدن وسنّة البوادي والأرياف. كل هذا وأكثر، فحتى داخل الجنوب العراقي "الشيعي"، نجد تمايزات بين سكان الفرات الاوسط وسكان الجنوب، كذلك تمايزات يركّز عليها البصريون تمييزاً لانفسهم عن مجمل الجنوب العراقي.
ولو غادرنا الجغرافيا العراقية ونظرنا الى ما يجري في العالم فسنجد ان الانقسامات الاجتماعية والثقافية والأثنية وغيرها تشكل مادة لنشاط سياسي معتاد. حروب وصراعات ودماء تسيل، وفي جانب آخر تتحول هذه الصراعات الى اتفاقيات ويتم تحجيمها أو تأطيرها بالعمل السياسي "السلمي"، فلا يتم تذويب الاختلافات والانقسامات من خلال نوع من العقد الاجتماعي والسياسي لإدارتها وتحجيم طاقتها التدميرية، لخلق حالة من التعايش والتشارك والعمل الجماعي خدمة للمصالح العامة. وفي حالتنا العراقية لا تبدو هذه الارادة واضحة لدينا، إما بسبب الغباء، أو بسبب أن حالة السلم غير مفيدة ولا تدرّ أرباحاً للاطراف المتصارعة.
