سقف انساني .............................أحمد سعداوي
تذكرت ان هناك شيئاً اسمه قياس وسيطرة نوعية وضرورة ان يراعي المعايير الثقافية وما الى ذلك، فطردت الفكرة من دماغي لأنها اعادتني سريعاً الى الخراب العراقي المتمفصل مع كل مناحي حياتنا. ثم تجاهلت الموضوع وبقيت اقلب في قنوات التلفزيون، فشاهدت جزءاً من فيلم رعب اميركي، أبطاله من اعراق مختلفة. قلبت القناة الى قناة افلام اخرى تعرض فيلم sunshine ورأيت الأمر نفسه، وجوه صينية ولاتينية وشقراء، واثار استغرابي انه لا يوجد افريقي بينها، فهذا ديدن السينما الاميركية، مهما كان الفيلم بسيطاً او تافهاً فأنه يحافظ على خلطة عناصر معينة. الأمر نفسه مع افلام الرسوم المتحركة. فرغم غلبة العنصر الانكلوساكسوني البروتستانتي الابيض في اميركا إلا ان هناك خطابا ثقافيا موجها يحرص على التوازن، بل واتباع سياسة التمييز الايجابي باعطاء حصص اكثر للمكونات الصغيرة في كل شيء، ومن بينها الصورة العامة المنتجة داخل الوسائل الثقافية والفنية عن مكونات المجتمع وتنوعاته.
القضية الأعمق أن هناك موقفا داخل اميركا وغيرها من بلدان العالم المتقدم تم انتاجه بسبب التراكم الحضاري والثقافي، حول الهوية الثقافية والاجتماعية، حيث الثقافة والهوية الاجتماعية المهيمنة ليست بالضرورة هوية قاهرة لغيرها، كما أن تصادم الهويات والثقافات والخلفيات الاجتماعية وعلى مراحل من الزمن أوصل هذه الشعوب الى أن المشترك العام بينها هو ما يجب أن يكون ثابتاً، وما سواه متحركاً ومتغيراً. وهذا المشترك هو القاعدة التي تتأسس عليها القوانين والنظم والاعراف، ولا ينبغي ان تكون هناك مظلة لثقافة خاصة فوق هذه القاعدة، وهي ببساطة قاعدة انسانوية لا هوية دينية او عرقية خاصة لها. ولأنها كذلك فهي قادرة على ان تكون مظلة، وقادرة على ان تعطي مساحة واسعة لحركة الهويات الدينية والثقافية المتنوعة، بل وحماية ما لا يريد ان يتأطر بأي هوية، ولا يقيد سلوكه بأي موجهات ثقافية خاصة. بل وحماية حق الفرد في التنقل والارتحال ما بين الثقافات المتنوعة.
هذا السقف الانساني العالي ليس مجرد خيار، وليس وجهة نظر، وانما خلاصة التجربة الانسانية العامة، من السومريين والبابليين والفرعونيين والعصور الوسطى المسيحية والاسلامية الى عصور النهظة والحداثة، وعدم الوصول اليها هو بالعربي الفصيح: تخلّف، ومحاولة الاقتراب منها: تقدم.
محاولة تأسيس بلداننا ونظمنا السياسية على مقاسات تخص فئة محددة داخل المجتمع هو تخلف عن الركب الانساني. ومثلها ايضاً محاولة صناعة خلطة من مقاسات مختلف الفئات استناداً الى محاصصة ومشاركة هو أيضاً تخلّف وفوضى سريالية نعيش نموذجاً منها في عراق اليوم.
