• Wednesday, 04 February 2026
logo

قائد تاريخي!............................أحمد سعداوي

قائد تاريخي!............................أحمد سعداوي
باشارة من احد الاصدقاء تابعت فلماً وثائقياً عن مسيرة حياة الزعيم التركي مصطفى كمال اتاتورك، والمحطات التي مر بها منذ ولادته والظروف التي عايشها، وكيف اسهمت كلها في صناعة صورته اللاحقة، بطلاً قومياً تركياً، كان بحق الأب الروحي لولادة الدولة التركية المعاصرة.


رحلت مع هذا الوثائقي الذي اعدته البي بي سي على ما اعتقد، ثم ارتحلت ذهنياً الى ديكتاتوريي اميركا اللاتينية، والتشهير الأدبي بهم والسخرية منهم، في أعمال البورخسيين الكبار ماركيز واستورياس ويوسا وغيرهم، ثم الى أشباح القادة التاريخيين الذين صنعوا بلدانهم بالحديد والنار في أوروبا وأماكن اخرى من العالم خلال المئة سنة الماضية. بالاهتداء بالسلف القريب بسمارك موحّد ألمانيا في القرن التاسع عشر.
وكل ذلك قادني الى أشباح مماثلة أكثر قرباً وتماساً، أشباح "وطنية" صنعت مصائرنا ومصائر شعوب منطقة الشرق الاوسط والعالم العربي تحديدا. فهؤلاء الذين ارادوا، بقصد مباشر او غير مباشر، استعارة هالة العظمة لدى القادة التاريخيين، لم يتبق منهم سوى اشباح الدمار والخراب. وربما هم، امثال ديكتاتوريينا العرب، لم يأخذوا من صفات القائد التاريخي إلا تلك الجوانب السلبية التي تحضر عادة في صورة الزعماء الاشكاليين.
برأيي أن "القائد التاريخي"، كما هو أتاتورك، ليس قائداً مثالياً تماماً. القائد التاريخي مزيج من المجرم والحالم والعبقري والديكتاتور والفاسد وصاحب الطموح الذي تتوحد فيه امكانياته الشخصية مع امكانيات شعب وبلد كامل. اضافة الى عامل المصادفات التاريخية، وهي مصادفات لم تخدم الكثيرين ودفعت بهم الى العتمة. وهذا القائد غالباً لا يخرج إلا خلال المنعطفات، ولا يولد بهالات قداسة حول رأسه. هو شخصية مغمورة حتى وصوله الى ذروة المنعطف حيث يبرز الى السطح.
افكر بأن هذه القصة الملحمية الرهيبة التي كانت تحدث خلال القرن الماضي هنا وهناك، لم تعد قابلة للسرد من جديد إلا بوصفها نكتة. لقد فقدنا الفرصة لخلق بلداننا وشعوبنا وصهرها داخل "مقلاة" العصر، كما هو تعبير غسان كنفاني. خسرنا فرصة أن نولد ما بعد القرون الوسطى. وها نحن نعيد تقطيع هذا التاريخ الثقيل ونعيد تقديمه على اطباق السياسة والمجتمع والثقافة والدين، ونتغاضى عن روائحه العفنة، ونأكل منه مرغمين
خسرنا فرصة ولادة قائد تاريخي كما هو غاندي واتاتورك ومهاتير محمد. وصرنا اليوم مجرد عربة ملحقة في قطار العصر، لا تملك محركات ذاتية لكي تكون قطاراً بذاتها.
Top