تجريم البعث
المادة (3) من الدستور العراقي
نقرأ التاريخ لا من أجل ان نؤثث اذهاننا بقصص وحكايات نتسلى بروايتها في المنتديات العامة، بل من اجل تجنب المناهج السياسية التي ادت ممارستها الى ما نحن عليه من حالة مأساوية. فما الذي يصح تجنبه من الماضي القريب الذي حكم فيه حزب البعث لمدة 35 عاماً وترك البلاد تعيش على جروح هزائم عسكرية، وعلى اطلال بنى تحتية متهرئة، وخرائب كانت تسمى اقتصاد: 1 ــ يدين واقعنا الحاضر ويجرم المنهج السياسي لحزب البعث، لما قاد اليه من اختزال السلطة والدولة بكل اجهزتها في شخص زعيمه . ولتجنب مساوئ هذا النهج الاحتكاري في الحكم، اكدت المادة (14) من الدستور ( العراقيون متساوون امام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الاصل أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي) 2ــ يدين الضمير الجمعي للمجتمع العراقي بسبب من تغييب منهج حزب البعث الطيف الواسع من الاثنيات والاديان والمذاهب ومحاولة صهرها جميعاً في بوتقة قومية او طائفة واحدة. وعلى الضد من هذه النظرة الواحدية جاءت المادة (3) من الدستور العراقي لتقول بأن ( العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب..) ومثلها المادة (5) التي تقول بأنّ [السيادة للقانون والشعب مصدر السلطات وشرعيتها يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية)... تقول تجربة بلدان المشرق العربي في المرحلة الممتدة على السنوات 1952 ــ 2011، بأن فرض الامر الواقع عن طريق القيام بانقلاب عسكري بتحالف العسكر مع طائفة او منطقة جهوية، لا بد وان يقود الى الهرب من مواجهة التناقضات الداخلية الى الخارج، برفع شعارات شعبوية مدوية (الوحدة تحرير فلسطين مقاومة الاستعمار الغربي) ليصل هذا الهروب الى درجة تذويب دولة سوريا في دولة مصر الاكبر منها (لم يلبث الا لبعض الوقت ثم انفصل)، او الى حروب خارجية متتالية كما في تجربة البعث في العراق. 3 ــ تم تجريم حزب البعث من قبل المحيط الدولي والاقليمي، بسبب من الحروب التي اشعلها، وهي حروب كانت من حيث نتائجها، موجهة الى الداخل لتعطيل مهمة بناء الدولة الوطنية على اساس مفهوم المواطنة. ولقص اجنحة هذا الميل الى الخارج نصت المادة (8) من الدستور العراقي على ان يرعى (العراق مبدأ حسن الجوار، ويلتزم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الاخرى، ويسعى لحل النزاعات بالوسائل السلمية.. الخ) اذن تحتوي بنود الدستور العراقي على رؤية متكاملة هي بمثابة المنهج الجديد الذي يجب ان تترسمه السلطة السياسية في حركتها داخلياً وخارجياً، في موازنة دقيقة ومحسوبة النتائج، يتم فيها توظيف العلاقة بالخارج لصالح بناء الدولة : وهي المهمة الارأس من بين هذه المهمات، اذ بدون الفراغ من بناء دولة مؤسسات مكينة ، تثبت للعراقي فعلاً بأنها هويته الكبرى التي تغنيه مؤسساتها عن اللجوء الى هويات فرعية، لا يمكن ان يتكامل المنهج البديل. ولقد جاء وصف هذه الدولة المنتظرة في البند الاول من الدستور بأنها (دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق).. من غير ان تتحول بنود الدستور الى مؤسسات فاعلة، تتكلم وتأمر وتحاسب وتحل المشاكل، بعيداً عن ظل رؤساء الكتل السياسية الثقيل، فأن الدستور لن يكون ضامناً لوحدة العراق .
