أحداث العراق الأخيرة
لقد لعب نظام حكم البعث وبالذات زمن حكم صدام المقبور دوراً مؤثراً هداماً مدمراً في العراق بجرائمه الكبرى وتخريبه لبنية المجتمع وللعلاقة بين هاذين المكونين، لاسيما بعد سقوط حكم الشاه في إيران وتسلم الإسلاميين الحكم هناك، وتوتر العلاقات بين نظامي حكمهما، ومن ثم الحرب المدمرة بينهما في الثمانينات من القرن الماضي. هذا الدور الذي دفع بالغالبية العظمة من المكون الشيعي العراقي – حتى هؤلاء الذين كانوا بعثيين لأسباب مختلفة- الى التخندق ضد نظام حكم صدام. هذا التخندق الذي برز بشكل واضح خلال إنتفاضة عام 1991 التي عمت أغلب مناطق العراق بإسثناء منطقة الوسط أو المنطقة التي غالبية سكانها من المكون السني حيث ينتمي إليه صدام نفسه- رغم عدم إمكانية الجزم بطائفيته، لأن الإخلاص له ولحكمه كان المعيار الأهم لديه، ويتقدم حتى على صلة القرابة مهما علت-، فنتج عن ذلك وجود كثرة عددية شيعية معارضة كبيرة منتشرة في إيران وبلدان الخارج، مقابل أنفار من المعارضة السنية هنا وهناك. أما في الداخل فكانت الغالبية العظمى من العراقيين تعاني الأمرين بسبب العقوبات الدولية وقساوة نظام الحكم وجرائمه.
رغم أن غالبية العراقيين تعرضوا الى ظلم وإضطهاد نظام حكم البعث، إلا إن ما تعرض له الكورد خاصة، والشيعة من العرب والكورد والتركمان فاق ما تعرض له غيرهم درجات لا تقاس. ورغم كل ما تعرض له الكورد من جرائم كبرى على يد ذلك النظام، إلا أن الكورد قيادة وشعباً لم يعتبر الموضوع عرقياً أو طائفياً، وإنما سياسياً بحتاً مع نظام حكم جائر دكتاتوري متسلط. لذلك، فحينما قامت الإنتفاضة في كوردستان وقع الآلاف من العسكريين العرب من السنة والشيعة الذين كانوا يقاتلون الكورد، لا بل وأجرموا حتى بحق المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ، ودمروا مدنهم وقراهم وبيوتهم ومزارعهم، تصرف الكورد معهم وفق مبادئ إنسانية نبيلة عليا فوق مستوى الأسير، فلم يعتبروهم حتى أسرى، بل ضيوفاً مكرماً أحراراً في التنقل والعيش وما الى ذلك. واستمرت النظرة والتعامل الكوردي على هذا المنوال مع كل العراقيين خلال تلك الفترة وما تلى ذلك من قيام المعارضة العراقية، وكذلك بعد إسقاط ذلك النظام ولا يزال .
رغم وجود أعداد لا بأس بها من خيرة المثقفين والوطنيين والمضحين والذين يمكن إعتبارهم معارضين من المكون العربي السني العراقي في الخارج، إلا انهم وللأسف الشديد لم ينتظموا ضمن تنظيم سياسي معارض علني، إلا عدد قليل منهم وفي وقت متأخر جداً. كما ولم يكن لهم وجود يذكر ضمن فصائل المعارضة العراقية، لدرجة يمكن القول بأنهم كانوا غائبين تماماً في المعارضة العراقية. وهنا أذكر خلال الأيام التوالي لإسقاط نظام حكم صدام أن جمعني لقائين ببعض الشخصيات العراقية في لندن، وحينها بادر عدد من شخصيات ذلك المكون كالأستاذ صلاح عمر العلي والأستاذ الدكتور أياد السامرائي والدكتور ماجد السامرائي بنقد الأمريكان من تهميش المكون السني وتسليم العراق للمكون الشيعي حسب قولهم. فعارضت نقدهم ولومهم للأمريكان ووجهة نظرهم تلك، وأشرت عليهم وعلى أمثالهم من مكونهم على الأقل من الذين في الخارج بالتقصير وعدم التقدم لمشاركة أطراف المعارضة الأخرى والتنسيق معهم وتمثيل مكونهم كي يكون لهم دورهم ويحفظوا لمكونهم الموقع اللائق به في المشاركة في الحكم وإدارة البلاد والعيش المشترك الكريم.
إذن، كان الوضع في الداخل كما بينا، ووضع المكون السني في الخارج ذكرنا، يضاف إلى ذلك أن آيديولوجيات وتوجهات وبرامج وطموحات فصائل المعارضة العراقية كانت مختلفة ومتعارضة أحياناً. وأذكر هنا -على سبيل المثال- حينما أقتربت (تقسيم كعكة العراق) في إجتماع لقيادات فصائل المعارضة قبيل مؤتمر لندن 2002 حضر في الاجتماع ثلاثة أشخاص على أن كل منهم يمثل التركمان بشكل منفرد، وطلب كل منهم لمكونه نسبة 35% من المقاعد في اللجنة العليا التي ستشكل فيمابعد، وحينها كان إثنان آخران يدعيان بشكل منفرد أيضاً تمثيل الكلدوآشوريين وطالب كل منهما بشكل منفرد نسبة 15% تماشياً مع حصة التركمان المطالب بها، وكان بينهما خلاف حتى على تسمية مكونهم وتكوينه، وكان ممثلوا المكون الشيعي قد حددوا نسبة 55% لمكونهم، وبذا تكون النسبة قد تجاوزت 100% فضلاً على أن يكون الكورد وبقية المكونات العراقية والمستقلين خارج أي حسابات وفق تقسيماتهم. هنا تدخل الأستاذ الدكتور فؤاد معصوم لا معترضاً على الحصص والنسب المطالب بها من قبل (ممثلي) التركمان و(ممثلا) الكلدوآشوريين، وإنما على الاتفاق فيما بينهم على شخص يمثل التركمان وآخر يمثل الكلدوآشوريين كي يتم التحدث إليه والإتفاق معه، إذ أن أي منهم يدعي لنفسه تمثيل مكونه، فلم يتفقوا. (وهنا تدخلت وكإنما أنقل صورة ما حدث فيما بعد والآن في العراق، ومنتقداً لما يجري، وذكرت ما سبق وأن كتبته في موضع آخر منشور قبل مدة، وكذلك في كتاب لي باسم الحكم والمعارضة). لهذا فإن رسم خريطة بناء العراق الجديد المليء بالتناقضات والأخطاء والقنابل الموقوتة قد جاء في ذلك الوقت على أساس ردئ وغير سوي، وعلى التهميش والإقصاء، بعيداً عن الحق والديمقراطية السليمة. وكان الفشل في إدارة البلاد مقدراً واضحاً غير قابل للجدل، لاسيما بالطريقة والكيفية التي تم التغيير وما تلى التغيير.
إن التغيير الذي شهده العراق بعد عام 2003، وسوء إدارة الأزمة العراقية منذ بدايتها وما بعد ذلك، وما نتج عن كل ذلك، بالإضافة الى ما سبق بيانه أفرز خصوصيات المكونات العراقية وإختلافاتها بدرجة واضحة وقسمها بين ثلاث مكونات رئيسية هم الشيعة والسنة العرب والكورد. وأصبحت الغلبة للشيعة بحكم الكثرة العددية، فسيطروا على أغلب المراكز الحكومية الحساسة وأخضعوها لتوجهاتهم. بينما المكون السني العربي، فقد كان منقسماً بين نفسه وعلى نفسه، فمنهم من ساير الوضع الجديد، ومنهم من عاداه وحمل السلاح ضده، وربما عاونه غيره من العرب وغير العرب غير العراقيين بدوافع شتى، سواء كانوا من فلول ومؤيدي النظام السابق أو المتضررين من الوضع الجديد أو غيرهم، ومنهم من لم يعر للموضوع أهمية وعاش كمواطن كما كان في السابق لا ناقة له ولا جمل لا في السابق ولا في اللاحق وهكذا.
لقد شهدت الأعوام التي تلت 2003 مشاهد وأحداثاً مؤلمة ومدمرة، بل إجراماً الى أبعد الحدود اللإنسانية بالذات بين بعض جهات وتيارات المكونين المذكورين، وإستمرت تلك الحالة لسنوات عدة، ثم بدأت الأحوال بالتغيير وتتجه رويداً رويداً نحو الهدوء والإستقرار. لعبت القيادات الكوردية أدواراً فاعلة في التقارب وحلحلة التشنجات والخلافات قدر المستطاع. ما لبثت أن عادت الأحوال الى التشنجات والإختلافات والخلافات المتصاعدة على كل الأصعدة لا زلنا نعيش أحداثها. ساهمت قوى محلية وإقليمية بدرجات مختلفة في التصعيد وسكب الزيت على النار.
البعض من المكون السني القاطن بدرجة أساسية في محافظات الأنبار وصلاح الدين وديالى وبعض مناطق الموصل وكركوك وبغداد وبابل وجد نفسه ومناطقه -وفق رؤيته- بعد عام 2003 ولحد الآن مهمشاً من قبل حكومة بغداد التي يتحكم بها المكون الشيعي، لا بل وإنه محارب، وتوجه إليه التهم الكيدية الكبيرة، ومستهدف في وجوده وحياته وعيشه ومستقبله ومذهبه، غير مقتنع بما يذكره الطرف الحكومي من كون الضغط والمحاربة موجهة ضد من ينعتونهم بالقاعدة وفلول النظام السابق واعداء العراق. لذلك لجأ الى بعض الوسائل السلمية والمدنية لمعارضة الحكم كالإعتصامات والمظاهرات وغيرها، بينما إستغل البعض الآخر منهم بعض هذه المناسبات ليعرب عن مواقفه المتشنجة والتهديدية للطرف الآخر سواء في الحكم أو خارجه.
تفجر الوضع، فشهدت الأيام القليلة الماضية أحداثاً دموية كبرى في منطقة الحويجة العراقية، ذهب ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى والموقوفين. وشهدت المنطقة حالة أشبه بالحرب، سرعان ما إنتشر لهيبها في العديد من المناطق الأخرى ذات الغالبية السنية العربية من السكان كالموصل وصلاح الدين والأنبار وديالى ومناطق أخرى كسليمان بيك وبعض مناطق كركوك وبغداد. ولا تزال الأوضاع الأمنية متوترة بدرجة كبيرة بين القوات المسلحة العراقية من الجيش وقوات ما تسمى ب(سوات) والشرطة من جانب وأبناء العشائر العربية السنية من الجانب الآخر في أغلب تلك المناطق، ووقوع أحداث دموية جديدة لا يحمد عقباها. على الرغم من تشكيل الحكومة للجان للمفاوضة إبتداء وللتحقيق بعد الأحداث. وقررت الحكومة فيما بعد إعتبار جميع الضحايا الذين سقطوا في الحادث شهداء يتمتعون بكافة الإمتيازات الممنوحة للشهداء وتعويض ذويهم وكذلك تعويض الجرحى والمتضررين، وإطلاق سراح الموقوفين، بينما كانت قد أعلنت في السابق بأن هؤلاء من المجرمين والخونة. وبذا فقد وضعت الحكومة نفسها - حسب رأيي- في موقع وموقف لا يحسد عليه قانوناً وسياسياً وغير ذلك.
لذا فإن الحادث (الشرارة) الذي وقع في الحويجة لم يكن وليد يومه في الحقيقة والأصل، إنما كان نتيجة تراكم تشنجات ومشاكل عديدة وكبيرة بين مكونين مذهبيين عربيين أساسيين من مكونات الشعب العراقي هما السنة والشيعة، رغم أن الجميع يرفض هذا الوصف والتوصيف والتقسيم وهذه التسميات في وسائل الإعلام والتصريحات. ينادي الجميع في وسائل الإعلام المختلفة وفي كل المناسبات بالوحدة والأخوة والمساواة وحرمة سفك الدماء واللجوء الى الحوار وما الى ذلك من الشعارات الرنانة، إلا أن الواقع العملي لا يجد إلا ترجمة ضئيلة ونادرة لدى البعض من هؤلاء لتلك الأقاويل والشعارات الى حقائق ملموسة على أرض الواقع. فإنعدام الثقة هي السمة الطاغية بينهما، إذ يتهم أحدهما الطرف الآخر بالرضوخ لأوامر وتدخلات طرف أجنبي مجاور. فالسنة يتهمون الشيعة بإيران، والشيعة يتهمون السنة بالسعودية وقطر. ومعلوم بأن الدولتان إيران والسعودية لهما حدود مشتركة مع العراق. وبين هذا وذاك هناك من يحاول تهدئة الوضع وإعادة الإستقرار.
إننا لا نكشف سراً حينما نقول بأن الخلافات عميقة بين بعض قادة مذهبي وحكومتي إيران والسعودية وبعض الدول الإقليمية الأخرى، وهناك من يقول بأن لإيران الكثير من الأعداء في المنطقة أو خارجها، فضلاً عن مشاكلها مع إسرائيل بالدرجة الأساس، كما وإن لوضع سوريا الحالي تقييمات خاصة لدى قادة إيران وله إرتباط وثيق بموقفهم من الوضع في العراق الذي يحوي ربما أقدس المقدسات الدينية لديهم، وكذلك العدد الكبير من أبناء الطائفة والمذهب واستلامهم حكم البلاد لأول مرة في التأريخ، ومستقبل العلاقات والمصالح المشتركة بينهم. في حين هناك في الطرف الآخر أبناء الطائفة أو المذهب الآخر كما سبق وأن أشرنا الى وضعهم، وعدم إرتياح أي طرف من الطرفين من بعضهما البعض، وخشيتهما على مستقبلهما.
من هذا المنطلق نجد أن إستمرار الوضع الحالي كما هو عليه أو المزيد من التوتر والتشنج والتصعيد ربما قد يؤدي الى تدخلات إقليمية أكثر وأوسع درجة على الأقل في الداخل العراقي وربما الإنتشار نحو خارج حدود العراق أيضاً، مما ينتج عنها الإخلال بالسلم والأمن في المنطقة.
إن الأزمة الكبيرة الحالية لا توحي بالانتهاء القريب أو السهل، وربما تؤدي الى إنقسامات كبيرة ونزاعات دموية داخل المكون الواحد أيضاً. وعلى العموم، أرى أن الخلافات عميقة ومتجذرة في بعض الأوساط من الطرفين، لذلك فإن أي حل قد يكون مرحلياً ووقتياً. فالتناقضات كثيرة وكبيرة، والتدخلات الخارجية وتناقضاتها واختلافاتها وتضارب مصالحها واستراتيجياتها وتأثيراتها على الأوساط العراقية ضخمة بدرجة يصعب تصور حل حقيقي دائمي أو نهائي للخصومات بين تلك المكونات، أو على الأقل بين بعض تياراتها وأطرافها. فضلاً عن وجود مكون رئيسي آخر في البلاد ألا وهو الكورد. إذ يسعى الطرفان، كل منهما بطريقته الخاصة ووسائله لجر هذا المكون الى ساحة الصراع والحلبة ليكون الى جانبه ضد الطرف الآخر، والقيادات الكوردية مستوعبة لهذا الوضع بشكل تام، تحاول جهد قدرتها التدخل لحل المشاكل وإنهاء التوترات والنزاعات، لا أن يتدخل الى جانب طرف ضد طرف. ولكن ليس هناك ضمان حقيقي بأن الوضع لا يتسبب في إنتقال النزاع الى بعض المناطق الكوردستانية خاصة المشمولة بالمادة 140 مع طرف أو طرفي النزاع في آن واحد حسب معطيات الظروف والأسباب. فالعملية السياسية في العراق برمتها، والنظام السياسي، والدستور، والمادة 140 والمناطق الكوردستانية المشمولة بتلك المادة الدستورية، وغيرها من المسائل المهمة المرتبطة بالحالة العراقية الحالية كلها مهددة في ظل هذه الظروف والأوضاع، كما أراها مهددة كذلك تحت أي ظرف آخر بالنسبة للكورد مع أي طرف من تلك الأطراف مهما شكلت لجان أو أرسلت وفود، فهي ليست إلا لإستفادة الطرف الآخر من الوقت. عليه، فإن الوضع الحالي ومستجداته والتوقعات المستقبلية وإحتمالاتها تحتم على القيادات الكوردية وعلى رأسها سلطات الإقليم بأن تتحرك داخلياً وعلى مستوى الداخل العراقي والخارجي على أساس تثبيت وحماية حقوق الشعب الكوردي وأرضه ومكتسباته الشرعية والقانونية في هذا الوقت الحرج.
د. عثمان رواندزي
